عباس عبد الرزاق الصباغ 
لا يبدو أن الأمر يحتاج الى عناء او تفكير للاثبات بأن الشعب العراقي هو ليس من الشعوب السعيدة في العالم، ان لم يكن اكثرها شقاءً ومعاناة، وذلك عند الخوض في مضمار الكشف عن الاسباب التي أفضت الى «تعاسة» هذا الشعب ، ولا يحتاج الامر كذلك الى عناء اكثر في المقارنة مابين حالتين عاشهما العراقيون بكل حيثياتهما وإرهاصاتهما ، فكلا الحالتين كانت لهما آثارهما المدمرة على واقع العراقيين ،الحالة الاولى هي العيش تحت ظل دولة الخوف والمنظمة السرية وزوار الفجر  و»ابطال» المقابر الجماعية ووحوش المؤسسات الأمنية التي زرعها النظام التوتاليتاري الشوفيني السابق في كل شبر من ارض العراق، فضلا عن مسلسل الحروب العبثية والحصارات التي اكلت الاخضر واليابس واهدرت الكثير من الفرص التاريخية في الازدهار والانتعاش والتقدم  . والحالة الثانية التي لايجد الباحث عناءً في إيجاد مقارنة بينها وبين الاولى والتي مازلنا نعيش غمرات حيثياتها وهي التي امتدت لأكثر من عقد ونيف لم يلمس فيها العراقيون ادنى مؤشر من مؤشرات السعادة او الرفاهية فاستمرت معاناة العراقيين ولكن بشكل آخر وكان يفترض انهم يعيشون في واحة غناء من الديمقراطية والتعددية والرفاهية وزوال كابوس بيان الرقم واحد الذي ظل يلاحقهم منذ شباط 1963 ويقض مضاجعهم ويحيل ايامهم الى جحيم وحمامات دم  ، والحالة الثانية على سلبياتها (سلبيات فشل التأسيس الدولتي الاخير 2003 وسلبيات الممارسات الحكومية غير الناضجة ) هي افضل بما لايقبل المقارنة مع الحالة الاولى (الديكتاتورية الشمولية ) ومع هذا فان الشعب العراقي ظل شعبا غير سعيد (ان لم يكن تعيسا) وقلقا من حاضره الذي استشرى فيه الارهاب والفساد وقلقا على مستقبله ايضا  وحسب معايير السعادة الدولية في قياس مؤشرات السعادة لدى الشعوب والتي تتمحور اغلبها حول الجوانب المعيشية والخدماتية والاستقرار السياسي والسلم الاهلي والمجتمعي
والانسجام المكوناتي والتوافق الحزبي، والامن الاجتماعي والغذائي  ومحفزات التنمية ومستوى التعليم والضمان الصحي والرعاية الاجتماعية وتدني مستويات البطالة، فضلا عن مؤشرات التضخم وانحسار معدلات الفقر الى حد ممكن يتيح للحكومة السيطرة عليه وتحقيق نمو اقتصادي سريع ومتنوع يؤدي إلى زيادة الدخل وزيادة تعزيز مستوى معيشة الأفراد ويساعد على رفع الحد الأدنى للأجور ، فضلا عن الوضع البيئي الملائم للمعيشة ونصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي والتوزيع العادل للثروات وفرص العمل.
اما مناسيب الفساد والخطوط البيانية لمعدلات الرفاهية (المادية) فلها حصة الاسد من معدلات السعادة او عدمها وكل المقاربات التي تجعل من المواطنين راضين عن حكوماتهم ، وبعد مراجعة جميع تلك العوامل وغيرها من تلك التي تجعل الشعب سعيدا من جهة وراضيا عن حكومته من جهة ثانية يجد المتابع ان الشعب العراقي هو شعب غير سعيد بالمرة وغير راضٍ عن حكومته (او حكوماته) بدليل اتساع واستمرار الحراك الشعبي المحتج على الوضع القائم والرافض له كليا والذي استمر ،كما قلنا،  لاكثر من عقد من الزمان والذي لم يحصد منه العراقيون سوى الخيبة المزدوجة من فشل التأسيس الدولتي الذي انتظروه طويلا ومن فشل الممارسات الحكومية غير الناضجة والتي تلبست بأفظع صور الفساد المالي والإداري والسياسي والاهدار المقنن للمال العام،  وبمستويات البطالة الحقيقية والمقنعة بين الشباب والخريجين منهم على الأخص وبالفقر الذي يرزح تحت خطه المسموح به دوليا ملايين العراقيين، ناهيك عن التدني الذي صار مزمنا في مستويات الخدمات وتهالك البنى التحتية لها، لاسيما الكهرباء التي صارت ملفا مستعصيا بتواتر الحكومات المتعاقبة.
ان الشعب العراقي الذي خاب امله بجميع الحكومات التي توالت بعد التغيير النيساني هو غير راض عنها  اطلاقا ، وتعد المظاهرات المطالبة بالاصلاح التي جابت المدن العراقية ومنها بغداد ، بارومترا صادقا لقياس حجم المعاناة وعدم الرضا التي يكابدها هذا الشعب وليس من الغريب ان تصطف المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف مع هذا الحراك وتعطيه ديمومته وشرعيته اضافة الى انها اعطت حكومة د. العبادي اكثر من تفويض وضوء اخضر لاجتثاث الفساد والفاسدين ووقف نزيف الهدر المزمن بالمال العام ، وليس بخاف استجابة رئيس الوزراء لكل تلك المطالب والتفويضات والخطوط الخضر .ان استمرار الحراك الشعبي المطالب بالاصلاح الجذري والشامل يعبر عن مدى التعاسة  الحقيقية وانعدام الرفاهية والامن  التي يشعر بها المواطن العراقي في بلد يطفو على بحر من الثروات التي صنعت من دول اقليمية هي ذات  اهمية جيبولوتيكية  اقل من اهمية العراق ، دولا سعيدة ومرفهة وآمنة وسعيدة في الوقت ذاته ومن حق الشعب العراقي ان يتساءل ويسأل سياسييه، لماذا نحن غير سعداء وغير آمنين ولدينا كل الإمكانات والمؤهلات التي تجعلنا من اكثر الشعوب سعادة في العالم ان لم يكن على مستوى الشرق الاوسط؟

التعليقات معطلة