حازم مبيضين 
لايختلف اثنان على أن دعوة إيران لمؤتمر فيينا، جاء نتيجة لتلافي حدة تدخلها العسكري في الأزمة السورية، والخوف المرضي من إحداث تغييرات ذات طابع مذهبي أو طائفي في «قلب العروبة النابض»، إضافة إلى رغبة غربية واضحة بإيجاد بعض التوازن مع المحور التركي السعودي، ودفعه للتنازل قليلاً حول مستقبل الأسد، كل ذلك جاء في ظل الفشل المتزايد للتحالف الدولي بقيادة أميركا في مواجهة تنظيم داعش، الذي يواصل تمدده بالرغم من التدخل العسكري الروسي.
 والحال البائس لمعارضي الأسد سياسيا وعسكرياً، وفقدانهم للرأي الموحد حول مستقبل البلاد، وارتهان أكثرهم لأجندات خارجية تفتش عن مصالحها ولا تلتفت لمعاناة السوريين.
لم تكن إيران بعيدة عن حالة الإحباط والإخفاق التي دفعت لعقد المؤتمر، وهي التي استثمرت في الأزمة السورية الكثير مادياً وبشرياً، واعتبرت مشاركتها فيه نجاحاً دبلوماسياً وسياسياً استغلته مع تأكيد مواقفها بشأن مستقبل الأسد، لمواجهة أي معضلات وشكوك داخلية، وكان على حكومة الرئيس روحاني السعى إلى الموازنة بين دعوة السيد الخامنئي، إلى عدم مناقشة مستقبل سوريا مع واشنطن، وبين المؤتمرات المتعلقة بالقضية السورية، ضمن رؤية المرشد في عدم إعطاء واشنطن أي صفقة في سوريا، وإذا اعتقد البعض أن حضور إيران لمؤتمر فيينا تنازل من واشنطن وحلفائها بناء على تغيير مواقفهم منها في ما يتعلق بملفها النووي، فإن الحقيقة المغايرة تقول: إن محاولة إدماج إيران في الجهد الدبلوماسي يأتي لاختبار قدرات نظامها بشأن اللعب سياسيا وفق شروط اللعبة الدولية.
بعد توقيع الاتفاق النووي، حاول الغرب دفع إيران إلى الانتقال من حالة الثورة إلى حالة الدولة، ورداً على ذلك حظر المرشد الأعلى على حكومة الرئيس روحاني التفاوض مباشرة مع الحكومة الأميركية بخصوص مستقبل سوريا، في خطوة فهمها كثيرون على أنها تأتي للحد من التحركات نحو تطبيع العلاقات مع واشنطن، لكن ذلك لم يمنع تلك الحكومة من المشاركة في مؤتمر فيينا للنقاش حول آفاق الحل في الأزمة السورية، باعتبار أن تلك المشاركة ليست خروجاً على تعليمات المرشد، بقدر ما هي واحدة من تداعيات توقيع الاتفاق النووي الذي فتح صفحة جديدة في علاقات طهران بالمجتمع الدولي.
 تزامن ذلك مع فشل طهران وحلفائها معها، من وقف التراجع العسكري للنظام السوري وخسارته أراضي كثيرة خرجت عن سيطرته، ما دفع روسيا للتدخل عسكرياً لتحدث تغييرا في قواعد اللعبة، دون أن يعني ذلك لموسكو إنهاء تحالفها مع إيران حول الملف السوري، بقدر ما يعني إشراكها في الجهد الدولي، ما يسمح بالمحافظة على شكل من التحالف يجعل إيران ورقة سياسية في خريطة السياسة الروسية في الشرق الأوسط، وربما لتواجه بها الحلف التركي السعودي، المطالب بإصرار بمغادرة الأسد، وعدم منحه أي فرصة للمشاركة في مستقبل بلاده.
في الوقت الراهن لايبدو أن إيران غادرت موقعها الداعم للأسد، فالتصريحات القادمة من طهران تؤكد عدم التعاون مع واشنطن، وأنها لن تقبل أي مبادرة تتعلق بسوريا دون التشاور مع حكومة وشعب البلاد، وهي تؤمن بأن الخيار السياسي هو الحل الوحيد للأزمة، وأن الشعب السوري هو وحده من يقرر بشأن مستقبله، وعلى الآخرين فقط تسهيل هذه العملية السياسية، وتنفي وجود أي برنامج أو جدول أعمال للحوار المباشر مع واشنطن حول الأزمة في سوريا، هذا هو الحال مع واشنطن، أما موسكو فإن تدخلها العسكري يثير ريبة وشكوك الجانب الإيراني، حول حقيقة ما يسعى إليه الكرملين، الذي يبدو مؤكداً أنه ليس مستعداً ولا قادرا على خوض صراع لخمس سنوات كما فعلت إيران، حتى أن موسكو تتباحث مع وفود من الجيش الحر تزورها لتبادل الأفكار، والتمهيد لمرحلة انتقالية في سوريا.
هنا يقال: إن بوتين وعد السعودية وتركيا بتقليص النفوذ الإيراني في سوريا، ومع الدخول في تفاصيل المرحلة الانتقالية، فإن الجميع بدأ يفكر بسوريا ما بعد الأسد، بما في ذلك حلفاؤه الروس أو حتى الإيرانيون، المعلن حتى الآن أن طهران تعارض توجه الكرملين نحو صيغة تجمع النظام السوري ومعارضيه من غير الإرهابيين، وتحميها الدول الكبرى بغطاء جوي لاستكمال المعركة مع داعش، وحتى ذلك الحين سيظل مصير الأسد لدى الروس أسير دائرة الغموض، أما إذا كان صحيحاً أن السيد خامنئي قال: إنَّ إجراء انتخابات في سوريا سيضع حدّاً للحرب الأهلية هناك، فإن هذا يعتبر اعترافاً بأن ما يجري في سوريا هو حرب بين النظام ومعارضيه، وذلك تغيير جذري في الموقف الإيراني، ويعني أن طهران غيرت سياستها السابقة، ما يستدعي ضرورة المبادرة إلى ترميم علاقاتها المتردية مع بعض العواصم العربية، إن لم ينقض الحرس الثوري هذا التصريح ويفرغه من مضمونه.

التعليقات معطلة