المستقبل العراقي / زهرة عبد الواحد  
ترفض السيدة هالة عبيد، الاستجابة إلى ابنها “زهير” البالغ من العمر أربعة عشر عاما، وهو الذي عرف في محيط الأسرة بكثرة إلحاحه في الطلب، إلى حين تنفيذه.
تقول الأم “قد يفهم من تنفيذ طلبات الشخص اللحوح بأن لديه قوة خارقة تجعل الآخرين ينفذون أوامره، أو طلباته بسرعة، فيشب على هذه الصفة إن كان طفلا، ولربما أثر ذلك على حياته المستقبلية، فليس جميع من يتعامل معهم يكونون بقدر صبر أهله عليه، مما يعرضه للكثير من المشاكل والمعوقات الحياتية”.
وتعترف بالقول “تعلق الشخص بمبدأ الإلحاح يرجع إلى تربية الوالدين، فهما المسبب الرئيسي لمثل هذا التصرف غيراللائق، فعندما تلبي طلبات الطفل منذ صغره بسرعة قد تتجاوز سرعة البرق، وبالتحديد عند بكائه، يتولد عنده هذا السلوك شيئا فشيئا، حتى يصبح تدريجيا من مكونات شخصيته”.
والشخص اللحوح يبالغ في طلبه أو سؤاله في أمر ما، فهو بذلك يجلب لنفسه ردة فعل سلبية من الأشخاص المحيطين به، لأن هذا الإلحاح صفة غير محببة ومنفرة جدا.
وقد يكون الشخص اللحوح ذا شخصية مثابرة ومستقلة، وعادة ما يحقق نجاحات متعددة في الحياة، ويلفت انتباه من حوله كما أنهم يحاولون الاقتداء به.
وتؤيد ذلك فدوى مصطفى (27 عاما) بقولها “أحيانا يتحول الإلحاح لصفة أو موهبة إيجابية للشخص، يلفت انتباه الآخرين خصوصا في العمل، كما أنه يحظى بالتقدير والاهتمام، ويصل لهدفه المنشود في العمل”.وتعمل مصطفى في مجال التسويق في إحدى الشركات، وتصاب بالدهشة عندما تستمع لزميلتها في العمل ذاته، كيف تقوم بإقناع الزبائن على الهاتف وتنجح في ذلك، ولا تيأس من الأمر حتى لو فشل بداية، فإلحاحها في استقطاب الزبائن عاد عليها بالنفع، بأن تترفع وتصبح مسؤولة عن الكادر.
ويعبر رامي السالم (35 عاما) عن رأيه بالأشخاص اللحوحين، قائلا “أرى بأن الشخص اللحوح ليست لديه القدرة على فهم حدود التعامل المناسبة مع الآخرين؛ حيث تواجهه صعوبة كبيرة في ترك مسافة فاصلة بينه وبين هؤلاء الأشخاص، كما أنه أحيانا يصر على فعل بعض الأشياء التي يعتقد أن فيها خيرا لهم بينما تكون هي على العكس تماما”.
ويضرب مثالا على ذلك بقوله “لدينا زميل في العمل تتجسد به صفات هذه الشخصية، فيقتحم خصوصيات الآخرين، كما أنه يلح على شخص ما بتنفيذ طلبه حتى لو كان مستحيلا، ونحاول أحيانا تلاشي وجوده، لكنه لا يكترث ولا يتأثر، فكم هو غريب ومزعج”.
ويرجح الأخصائي النفسي د. خليل العبيدي، أن يرتبط موضوع الإلحاح بالوسواس القهري، والمريض نفسه يشعر أنه يجب أن يسأل عن أي شيء أكثر من مرة وفي كل حين، وبهذا يسبب إزعاجا للآخرين.
ويمكن أن يكون الشخص اللحوح، طفلا مدللا ومعتادا على أن يأخذ كل ما يريد، وهذا بسبب الدلال الزائد من قبل الأهل، بحسب أبو زناد، وليس بالضرورة أن يصاحبه الأمر في الكبر فقد تختلف شخصيته تماما عندما يختلط بالآخرين.ويضيف “هناك أيضا الشخص اللحوح في العمل أو الحياة، وهو شخص منظم يحب أن يرى الأشياء على أصولها، ويؤثر بذلك على من حوله، وخصوصا إذا كان مديرا، فإن الموظفين يتذمرون من كثرة إلحاحه”.
وتصف السيدة أم هاني زوجها بأنه من الأشخاص اللحوحين جدا، فإذا أراد شيئا يستمر في المطالبة به حتى يحصل عليه، كما أنه يسعى لمعرفة كل صغيرة وكبيرة عن الآخرين، وهذا الأمر ينفر المحيطين به، حسب قوله.
وتقول “حاولت مرارا محاورته بأن لكل فرد خصوصية وتكرار السؤال للموضوع ذاته يعني تكذيبه، والأسوأ من هذا أن أحد أبنائي يحمل الطباع نفسها، ومن المؤكد أنه اقتدى بوالده بإلحاحه في معرفة كل شيء”.
ويشير الاستشاري الاجتماعي الأسري د. مفيد سرحان، إلى أن هناك صفات لا يختلف عليها الناس، وهناك بعض الصفات التي ربما نجد تفاوتا في درجة قبول البعض لها، ومن بينها الإلحاح، فبعض الناس نجدهم يتمتعون بمثل هذه الصفة ولذلك يقال (إن فلانا لحوح).
ويضيف “هذه الصفة ربما تكون مزعجة عند البعض وهي نفسها ربما تكون مطلوبة في بعض الأحيان، فالإلحاح يكون مذموما إذا كان فيه تكرار أو إصرار يزيد على الحد المطلوب أو طلب شيء غير قابل للتنفيذ من حيث المبدأ أو غير قابل للتنفيذ في ظرف ما أو وقت ما”.ويوضح “هنا يجب على الشخص أن يتمتع بحس عال وقدرة عالية على استشعار درجة القبول عند الآخرين، فإن شعر أن إلحاحه يسبب الضيق للآخر فعليه أن يتوقف عن ذلك أو أن يختار الوقت المناسب، وفي المقابل هناك أشخاص لا يلتزمون بالمواعيد مثلا أو بالتنفيذ، فهؤلاء لا ينفع معهم إلا أسلوب الإلحاح أو التكرار.
وهذا يختلف عن الإصرار والمثابرة، بحسب سرحان، فهذه صفات مرغوبة دائما بل على العكس يجب أن يتصف بها الشخص، وهي دليل على تميز الشخصية والحرص على الإنجاز وتجاوز السلبيات ولا بد من الاتصاف بها وتدريب الآخرين وخصوصا الأطفال.

التعليقات معطلة