صدمة كبيرة سيطرت على السيدة صفيه جليل التي عادت إليها ابنتها مطلقة وهي ما تزال في الحادية والعشرين من العمر، بعد مضي عشرة أشهر فقط على زواجها.
جليل ورغم فرحة ابنتها الكبيرة بزفافها، إلا أنها كانت تشعر بغصة في صدرها وخوف يسيطر عليها بأن هذه الفرحة لن تتم، معتبرة أن ابنتها لم تزال صغيرة.
وتقول جليل “ابنتي تخرجت من الجامعة، ولكنها لم تنضج بعد”، موضحة أن موافقتهم على زواج ابنتهم جاء نزولا عند رغبتها في الارتباط بالشاب الذي تقدم لخطبتها، آسفة على ما آل إليه وضع ابنتها التي لا تعلم ما هو سبب طلاقها.
بيد أن ابتسام العمري “23” سنه،عادت إلى منزل والديها تجر أذيال الخيبة على حد تعبيرها، فسرعان ما ذبلت فرحة العرس التي كانت تحتل وجهها، مصطدمة بواقع حياتها مع زوجها الذي أنهى زواجهما بعد عودتهما من شهر العسل.
العمري وعلى الرغم من أنها لم تتجاوز الثالثة والعشرين من عمرها أصبحت مطلقة بعد مضي شهرين فقط على زفافها الذي تصدع بسبب الخلافات والمشاكل الكثيرة بينها وبين زوجها.
“لا نتفق على أي شيء حتى وقت الطعام”، متابعة أنها لم تعد تطيق “النكد وجر المشاكل”، الذي كان يفتعله زوجها وبشكل دائم حتى باتت الحياة شبه مستحيلة برفقته.
وتحمد العمري الله أنها أتخذت هذه الخطوة قبل أن ترزق بأطفال وإلا كانت العواقب ستكون وخيمة.
“أنا غير مضطرة لاحتمال إهمال وإهانة زوجي”، هكذا بررت ليالي الشطي إقدامها على الطلاق بعد مضي سنتين من الزواج تصفهما بأنهما “غير محسوبتين من عمري”.
وكانت قد سجلت الفترة العمرية بين (20-24) عاما لدى الفتيات أكثر حالات الطلاق في العراق العام 2013، مقارنة في الفترة العمرية (25-29) لدى الشباب الذكور، وفق ما أفادت بيانات غير رسميه أطلعت عليها “
من جانبه يعزو الاستشاري الأسري مفيد سرحان ارتفاع نسبة الطلاق في هذه الفئات العمرية إلى “واقع الحياة المجتمعية التي نعيشها وعدم تأهيل الشباب المقبلين على الزواج”.
ويردف أن عدم وجود تأهيل سواء بالمناهج أو الجامعات أو من خلال مؤسسات المجتمع المدني، من شأنه أن يجعل ثقافة الزواج ضحلة عند معظم الشباب والفتيات، لافتا إلى أن معظم حالات الطلاق تتم قبل الدخول وهي تشكل ما يقارب 43 % من مجموع حالات الطلاق.
وأثبتت العديد من الدراسات والأبحاث والمشاهدات التي أجريت مؤخرا ارتفاع نسبة الطلاق في السنوات الثلاث الأولى، وفق سرحان، مبينا أن من أبرز أسباب الطلاق هو “سوء الاختيار والتسرع” لدى الطرفين بحيث لا يتم الزواج على أسس سليمة.
ويلفت إلى أن إرتفاع تكاليف الزواج والحياة المعيشية من الأسباب الجوهرية لهذا الطلاق، إلى جانب عدم القدرة على التكيف والحوار مع الآخر والنظرة المثالية التي تختلف كثيرا بين ما هو متصور في خيال الإنسان وبين الواقع، لافتا إلى وجود أسباب أخرى تتعلق بتدخل الأهل وتغير النظرة إلى الأسرة وأهميتها ودورها.
اختصاصي علم النفس التربوي الدكتور موسى مطر يشير إلى وجود قضية مهمة يجب أخذها بعين الإعتبار وهي التغيرات الاجتماعية التي أحدثت فجوة وحالة كبيرة من التغير في مفاهيم القيم وأساليب التربية وأدواتها.
ويتابع أن مؤسسة الزواج لم تعد مؤسسة ضمان أسري، عازيا ذلك إلى ضعف الوعي بمعنى الأسرة والزواج، فأصبحت تأخذ أبعادا أخرى.
“أنا لا أجد الإشكالية الكبيرة عند الفتاة وإنما عند الشاب”، موضحا أن الفتاة وبحسب التربية المجتمعية تنشأ على أن الزواج أمر مقدس وهو ما تطمح الفتيات للوصول إليه في حين أن وجود مجتمع مفتوح ومساحة واسعة للتفريغ الانفعالي أمام الشباب يجعلهم أقل تقديرا للعلاقة الزوجية وأكثر تهورا فيما يتعلق بموضوع الطلاق.
ويبين مطر أن ثقافة الفتاة الأردنية في أن الزواج هو المستقبل وهو الحياة جعلها توافق على أي طلب للزواج، الأمر الذي جعل الكثير من الشباب يستغلون هذه النقطة ويصلون لأي فتاة يريدونها بسهولة.
ويعزو مطر تزايد الطلاق بين الفتيات في هذا العمر إلى واقع الزواج والمفاهيم غير الواضحة، إضافة إلى التبعات المادية والمسؤوليات الأسرية ، فيبدأ يشعر الشاب بالندم فيلتفت إلى الطلاق.
ويؤكد على أن الفتاة في أغلب الأحيان تكون ضحية، حيث تحاول كل جهدها للمحافظة على أركان الأسرة ولكن في النهاية فإن استسهال الشباب للطلاق وتحكمهم فيه يزيد من نسبة الطلاق بين هذه الفئة.
ويتفق كل من مطر وسرحان على ضرورة رفع سن الزواج بين الشباب والفتيات، بحيث لا يقل سن الزواج عند الشباب عن 35 والفتيات عن 27 عاما، مجمعين على أنهم وفي هذا السن يكونون أكثر نموا نفسيا، عاطفيا واجتماعيا، إلى جانب قدرتهم على إدارة الأمور المالية.
خبيرة العلاقات الزوجية الدكتورة نجوى عارف تعزو بدورها ارتفاع نسبة الطلاق لهذه الفئة إلى عدم النضج العاطفي والفكري عند الفتيات والشباب في هذه الأعمار، وعدم الاهتمام بقدسية الحياة الزوجية.
ومن جهة أخرى تشير عارف إلى زيادة وعي الفتيات باحتياجاتهن ومتطلباتهن، فلم يعدن يرضين بالقليل، منوهة أن متطلبات الرجل والفتاة اختلفت عما سبق وعدم احترام الزوجية والإيمان بأهميتها أمور حالت دون استمرارية العلاقات الزوجية.
وتجد عارف أن عدم أخذ الوقت الكافي في اتخاذ قرار الزواج وقصر فترة الخطوبة، من الأمور التي يجب أخذها بعين الاعتبار، مؤكدة على ضرورة إعطاء دورات إجبارية للمقبلين على الزواج قبل عقد القران.
ويشير سرحان إلى أن “إلزامية ثقافة ما قبل الزواج تحد من الطلاق”، وذلك من خلال المناهج الدراسية، الجامعات وتنظيم دورات إلزامية للمقبلين على الزواج، يرافقها متابعة للزواج، خصوصا في الأشهر والسنوات الأولى للزواج. وأوضح أن تقديم الإرشاد الأسري،
يساعد الأزواج على الاستمرار في الحياة الزوجية واستقرارها، مشددا على أهمية دور وسائل الإعلام في زيادة الوعي وأن لا يكون الطلاق هو الخيار الأول عند الشباب والفتيات. ويضيف سرحان أنه لا بد من تفعيل مراكز دائرة قاضي القضاة في عدم البث في حالات الطلاق المقدمة، إلا بعد استنفاد كافة الجهود الممكنة في الإصلاح وتقريب وجهات النظر.