حازم مبيضين
من شرم الشيخ إلى باريس مروراً بعمان وبيروت، توالت الضربات الإرهابية التي لاتعرف حدوداً ولا تفرق في أهدافها بين مدنيين وسواهم، وتمتلك من الذرائع الظلامية ما يبرر جرائمها، والواضح أن ما تتعرض له (داعش) من هزائم على الأرض في سوريا والعراق كان الدافع الأول لهذه الهجمات، والمتوقع مع الكثير من المخاوف أن تستمر وتتعاظم لتقول للعالم نحن هنا وقادرون، وهم يعتمدون بالتأكيد على خلايا نائمة في كل أنحاء العالم، وعلى تكفيريين تعلموا من خوضهم الحرب في سوريا والعراق دروساً، وعادوا إلى بلدانهم «الكافرة» ليطبقوا عملياً ما تعلموه، وعلى المجتمع الدولي الذي تغاضى عن أسباب ولادة (داعش) أن يتذوق اليوم نتائج تخاذله، حيث تبدو الحرب الإرهابية طويلة، لأن آلاف الأوروبيين الذين قاتلوا تحت ألوية (داعش)، والمقدر عددهم بنحو عشرة آلاف أوروبي، عادوا أو سيعودون لتهديد المجتمعات الأوروبية والعبث بأمنها، والتحول من أسلوب العمليات الفردية التي ينفذها «ذئب منفرد» إلى عمليات منسقة، تقوم بها مجموعات منظمة، وقادرة على المفاجأة، وتجاوز أنظمة الطوارئ المحدودة المطبقة في المدن الفرنسية تحديداً منذ مذبحة شارلي ايبدو، وتهديدات «داعش» للفرنسيين باتت اليوم واقعاً مضمخاً بالدم والبارود، يلطخ وجه عاصمة النور والحرية.
قبل باريس كانت ضاحية بيروت الجنوبية على موعد مع إرهاب «داعش» الذي استهدف أبرياء كانوا يتلون صلواتهم في محراب الإيمان، وقبلها كانت عمان تستفيق على جريمة نفذها ضابط أمن ضد مدربين للشرطة الفلسطينية والعراقية في مركز أُقيم بالتعاون بين الأردن وأميركا، وقبلها وفي أجواء شرم الشيخ المصرية تم تفجير طائرة تُقل سياحاً روس عائدين إلى بلادهم، ثم جاء 11 أيلول الفرنسي ليشهد تفجيرات انتحاريّة أمام أشهر الملاعب الرياضية في باريس، وإطلاق رصاص على رواد المقاهي والعابرين، وأخذ رهائن في مسرح شهير وكانت النتيجة المأساوية أكثر من 310 ضحايا والعدد مرشح للارتفاع، والنتيجة المباشرة فرض أقصى حالات الطوارئ، وإقفال الحدود، ووقف الملاحة الجويّة وحركة القطارات، بينما يقطع الجيش شوارع العاصمة، ويحاصر الأحياء، ويسد المنافذ، ويلوذ المواطنون ببيوتهم في عاصمة دولة عظمى كانت تستعد لاستقبال ٨٠ رئيس دولة في مؤتمر المناخ العالمي بعد عشرة أيّام.
في شرم الشيخ كان القاتل قنبلة موقوتة دسها مجرم في متاع الطائرة، وفي عمان كان القاتل فرداً توهم أن طريقه إلى الجنة يمر عبر دماء الأبرياء، وفي بيروت تطور الأمر إلى أربعة مجرمين نفذوا جريمتهم، وفي باريس أخذ الأمر بعدا جديداً، هناك جيش من الإرهابيين يزرع الرعب في انحاء المدينة، مجموعات مسلحة ومنظّمة خططت وضربت في توقيت محدد وبتقنيات مختلفة، في ستة أو سبعة أحياء مختلفة، صاح القتلة الله أكبر قبل فتح النار عشوائيّاً على الحشود، صحيح أن المراقبين وأجهزة الأمن كانوا يتوقّعون أن يضرب الإرهاب باريس، بسبب الدور الفرنسي في الحرب ضد «داعش»، لكن ماحدث فاق كل التوقعات، غرقت عاصمة النور في ظلام الحداد ولفّ الذهول العالم، القتلة هم أنفسهم من عمان إلى باريس، ولا مناص من إعادة النظر بالواقع المشوّه الذي أفرزهم، ونقلهم من دين النور والتسامح إلى أقبية التكفير المتدثرة بالظلاميّة، والجهل والحقد، والسؤال عن ماهية المدارس الدينية التي تعلموا فيها، وأدخلتهم في هذا الفراغ الروحي الاجتماعي والحضاري؟، هذه أسئلة تحتاج إلى إجابات جدية تتجاوز لحظات الغضب، لتقود إلى تضامن فعال يجتث هذا الإرهاب من جذوره.
بعد الهلع في باريس والقلق الذي اجتاح أوروبا وأميركا، لن يكون كافياً تصريح الرئيس الفرنسي: (بأن الارهابيين يريدون إرعابنا وتخويفنا، واننا نستطيع أن ندافع عن أنفسنا ونحن نعلم هوية المجرمين ومن أين أتوا وستتم ملاحقتهم وتقديمهم للعدالة).
ولا تأكيد الرئيس الأميركي (بأن الإرهاب بات يتهدد الدول الأوروبية والعالم، وأن الاعتداءات في باريس ضد الانسانية) جمعاء ولن تكون مجدية حالة الصدمة عند رئيس الوزراء البريطاني والمستشارة الألمانية والرئيسين الروسي والتركي، فيما يبدو أن الحرب التي يخوضها «تنظيم الدولة» ضد العالم كله ستكون طويلة ودامية ومريرة، وستبدو بعيدة عن واقع التحليلات بأن استهداف باريس تزامن قصداً مع الزيارة المرتقبة للرئيس الإيراني إلى فرنسا، وقد أجلها في آخر لحظة، وسيبدو أن الأقرب للواقع أن «داعش» ترد على هزائمها في سوريا والعراق باستهداف الدول المتحالفة ضد الإرهاب، في محاولة لتشهد عواصم العالم مشهداً لبنانياً أو سورياً أو عراقياً، وهو ما تم إنجازه في باريس طيلة الليل، مع سيارات إسعاف تعبر شوارع خلت من السيارات، نحو المستشفيات التي غصت بعشرات الجرحى نتيجة قيام سبع مجموعات إرهابية بشن هجمات متزامنة، في أمسية تكتظ فيها المطاعم والمسارح والشوارع، عشية عطلة نهاية الاسبوع، بالآلاف من سكان العاصمة الفرنسية، لتدخل فرنسا حرباً تبدو طويلة، ويمكن امتدادها إلى كل مكان في هذا العالم.
مؤلم ومفزع ما شهدته باريس وبيروت وعمان وشرم الشيخ، خصوصاً إن كان ذلك مقدمة تتبعها عمليات إرهابية في مواقع غير متوقعه، وذلك يستدعي تضامناً دولياً فعّالاً ضد منابع الإرهاب الفكرية أولاً، ومن ثم حرب بلاهوادة ضد التنظيمات التي تتوسل بالإرهاب لتحقيق أهدافها، ومعها الدول الراعية والداعمة والممولة لهذه التنظيمات، وهي معروفة ومكشوفة وإن تسترت.