حسن الكعبي
لم تحظ الثورات العقلانية في التاريخ العربي باهتمام فكري واضح, بل ظلت ضمن سياقات لا تتعدى حدود التوثيق التي تفرضها مناهج الرصد التاريخي للازمنة التي حدثت ضمنها تلك الثورات ووقعت فيها في حين ان الاهتمام الفكري والتاريخي انصب على الثورات ذات الحمولات العاطفية, وبالرغم من اهمية هذه الثورات في محاربة الظلم واهميتها في تفعيل الحراك الجماهيري وتكريسها لانموذج ثوري يمكن الاقتداء به لكن الاهتمام بها وتغليبها على الثورات العقلانية اسهم في اغفال نماذج ثورية مهمة كانت كفيلة بأن تسهم في تنظيم الثورات العربية اللاحقة عليها وتبعدها عن مهيمنات الفوضى التي تقترن عادة بأنماط ونماذج الثورات التي يغلب عليها الشحن العاطفي.
ان نماذج الثورات العقلانية والثورات المضادة تجد مصداقيتها في التاريخ العربي الاسلامي ضمن نموذجين تحققا في فترة زمنية واحدة والمقصود بهذين النموذجين نموذج (ثورة سليمان بن صرد الخزاعي) المعروفة تاريخيا بـ (ثورة التوابين) و(ثورة المختار بن عبيدة الثقفي). الانموذج الاول هو من اكبر النماذج المغرقة في عاطفيتها واما الانموذج الثاني فهو من اكبر النماذج مراعاة للعقلانية والتدبير السياسي وربما ان تلك المراعاة الفائقة في العقلانية للنموذج الثاني هي التي وضعته على طاولة التشكيك والاتهامات التي لصقت بالمختار وعرفته للمتلقي كنموذج للسلطوي والانتهازي والمتخاذل عن نصرة بن صرد الخزاعي بعد ان اجتمع امر الاثنين (اي المختار والخزاعي) على القيام بالثورة معا وتحت امرة المختار, لكن المختار رأى ان استعدادات التوابين لا تأخذ مسار الثورات الطامحة لتحقيق الانتصار على الخصم بل انها استبعدت اي احتمال للنصر وانصب هدفها الرئيسي على الموت الجماعي تكفيرا عن تخاذل التوابين في نصرة الامام الحسين (ع) اثناء قيامه وهو امر رفضه المختار المعروف بكياسته التي كانت وراء اتخاذه مبدأ اساسيا في الثورة وهو النصر ومهما كلف ذلك الامر من تأجيل للثورة فالتدابير السياسية والاقتصادية كانت من اولوياته في القيام. ان هذه التدابير طال امدها ورغم انها حققت طموح المختار في الانتصار والاطاحة بسلطة الطغيان الاموي والقصاص من مرتكبي الجرائم البشعة في واقعة الطف, الا ان ذلك كله لم يشفع تاريخيا للمختار الذي ظل رهين الاتهامات التاريخية وهي اتهامات تصل حدود تكفير المختار واخراجه عن الملة ومن يراجع كتب الحديث سيصل الى هذه الحقيقة دون الحاجة الى كد معرفي في استنباط مدلولاتها وعلى عكس من ذلك فانها – اي كتب الحديث والتاريخ – تغدق مديحا مبالغا فيه على ثورة التوابين التي لم تحقق اي نصر يذكر على سلطة الطغيان التي ظلت تتمتع بالقوة والنفوذ بعد الثورة الى ان اطاحت بها ثورة المختار المشرقة التي كرست نموذجا استثنائيا في تاريخ الثورات العربية يراعي الستراتيجيات العقلانية والسياسية في إدارة الثورة.
لكن ذلك لا يعني عدم اهمية ثورة التوابين فالثورة كانت ضرورية في كسر حاجز الخوف من السلطة والتمهيد لقيام ثورات تالية عليها, غير ان ما نقصده في هذا السياق هو عدم ايلاء الاهمية لثورة مشرقة تفوق ثورة التوابين اهمية بل العكس من ذلك فقد ظلت عرضة للشك وعدم الانصاف التاريخي الى يومنا هذا، ولم يبادر اي اتجاه فكري لتخليص هذه الثورة الرائعة من الالتباسات والشكوك العالقة بها ولم يقم بهذا الجهد الا العمل الفني المهم الذي انتجه التلفزيون الايراني في المسلسل المعروف والذي عرض تحت مسمى (مختار نامه) والمسلسل رغم أهميته والجهد الكبير الذي بذله كاتب النص في التحليل الفكري في مقاربة الاشكاليات التاريخية التي احاطت بالمختار وتوضيح الكثير من الالتباسات للمتلقي, الا ان التحليل الفكري يظل هو المسؤول الاساسي في معالجة اشكالية الثورة وتوضيح طابعها العقلاني فالجهد الفني مهما حاول الاقتراب من المناطق الفكرية فانه لا يستطيع مقاربتها بالشكل المطلوب لان ذلك يخالف طبيعة الفن التي تراهن على ابراز الجانب الفني المؤثر وهذا ما يفسر الاهتمام المبالغ فيه في ابراز الجوانب الحربية للثورة واعتماد الخدع في رسم المعارك. من ذلك يتوجب على الفكر العربي مقاربة تلك الثورة المهمة والتعريف بها كثورة عقلانية لم يعهدها التاريخ العربي والذي يجب ان يتدبرها بمعونة من التفسير الفكري بوصفها انموذجا رائعا للاقتداء به في القيام بالثورات التي تملك طموحات النصر وتحقيق العدالة والاطاحة باشكال الظلم السياسي العربي للسلطات المستبدة وبالتالي الابتعاد عن ثورات الحمولات العاطفية الغالبة على ثوراتنا العربية التي علقت بها اشكال من الفوضى والتضحية بالكثير على المستويات المعنوية والمادية.