د. مصطفى البهادلي
منذ أكثر من عام ونيف على إنشاء التحالف الدولي الذي وفق قيادته «الولايات المتحدة الأميركية « تجاوز الستين دولة لا تزال داعش تتمدد أكثر فأكثر، فقبل عام لم تكن مدينة الرمادي قد استولى عليها داعش، ولم تكن التنظيمات الإرهابية في سوريا قد سيطرت على 80 بالمئة من الأراضي السورية، وبعد ورغم الـ 6000 طلعة جوية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية تمدد داعش أكثر في مجمل قواطع العمليات في العراق وسوريا باستثناء ديالى وجرف النصر وصلاح الدين وغيرها والتي لولا الحشد الشعبي لما تحررت من دنس الإرهاب وقوى التكفير، بمعنى انه لو افترضنا أن فتوى السيد السيستاني لم تحدث ولم يكن هناك حشد شعبي «من باب فرض المحال ليس بمحال» وان المناطق والمحافظات التي حررها أبطال الحشد لم تحرر، ماذا يمكن أن تبلغ سيطرة داعش في ظل وجود التحالف الدولي؟.
ما أريد قوله في النهاية أن التحالف لم يكن صادقا في القضاء على داعش ولو كان صادقا لما استنفذ كل هذا الزمن في تبرير مكافحة هذا التنظيم، والدليل في ذلك أن القضاء على النظام السياسي في العراق قد استغرق 21 يوما من قبل نفس التحالف حينما كان أقل في عدده في عام 2003 مما يضع أكثر من علامة استفهام حول جدية مسعاه في القضاء على داعش التي أزعم انها من صناعته وبأموال خليجية قطرية وسعودية وبتسهيلات تركية من أجل الإطاحة أو ممارسة أقصى درجات الضغط على صانع القرار السياسي العراقي الذي أبدى سلوكا غير مرغوبا فيه سابقا 2006- 2014 لجهة المشروع الأميركي والغربي الذي يصب في صالح القوى الإقليمية المناوئة لهذا المشروع مما دفع بدوائر صنع القرار الغربي والإسرائيلي الى التفكير باتجاه خلق منظومة إرهابية «داعش» متحكم فيها من قبلهم صعودا وهبوطا تتناسب مع درجة استجابة صانع القرار العراقي لمشروعهم وليتخلصوا من خلايا إرهابية في بلدانهم «سياسة تجفيف منابع الإرهاب» وبكلفة مادية مدفوعة الثمن، علما أن داعش قد ولدت من رحم القاعدة التي ولدت من حركة طالبان التي ولدت من حركة المجاهدين الأفغان ضد التدخل السوفيتي في أفغانستان وجميع هذه الولادات قد تمت بأيدي مخابراتية أميركية ومما يؤكد استنتاجنا السابق هو أن داعش لم ولن تقدم على أية عملية إرهابية ضد إسرائيل بالوقت الذي تدعي فيه بأنها حامية حمى المسلمين.
ومن أجل الاستغراق أكثر في التفكير ومعرفة النوايا الحقيقية لطريقة التعاطي الأميركي مع الشأن العراقي تحديدا والعربي والإسلامي عموما، نقول أن الأساس الفكري الذي استند عليه صانع القرار الأميركي في خلقه لقوى الإرهاب والتكفير يرجع إلى نهاية الحرب الباردة حين انتهى الخطر السوفيتي الأحمر وصار الإسلام والكونفوشيوسية الخطر البديل الذي يتوجب الانتباه له وفق أطروحة صدام الحضارات للكاتب صاموئيل هنتنغتون، منذ تلك اللحظة توجب صنع منظمات إرهابية بعقيدة اسلامية تستهدف المصالح الغربية وحتى العربية من أجل تشويه الإسلام كدين ومعطى حضاري وأخلاقي ونظرية حياة قابلة للتطبيق والتصديق وإعادة انتاجه بطريقة مشوهة مرتبطة بالقتل وسفك الدماء ونفي الآخر واقترانه بالإرهاب والتكفير وكل ما هو سلبي ودنيء وبعيد عن القيم الإسلامية السمحاء ونبل الأخلاق.. وهذا يستدعي القيام بإنشاء جهة من الوسط الإسلامي تتبنى الإسلام كدين وتتولى القيام بالمهمة المطلوبة وفقا للتعاليم الغربية والإسرائيلية من أجل تعمد الإساءة اليه وحتى لا يكون الإسلام خيارا إنسانيا لدى الإفراد قابلا للتطور والارتقاء سواء لدى المجتمعات والدول التي إذا ما أخذت به فانه يمكن أن يخلق لديها الحافز والوازع الذاتي للاعتماد على الذات بعيدا عن النظرية الرأسمالية وبالتالي خلق أنداد محليين او إقليميين أو حتى دوليين محتملين أو حقيقيين يحد من سيطرة الغرب وتسلطه وتوسعه المادي والمعنوي على مستوى
المعمورة.
من هنا نستطيع أن نتلمس الحرص الغربي على إشاعة وترويج التشويه للإسلام في وسائل الإعلام الغربية من أجل خلق حالة الرفض له وعدم التسليم به وزيادة حالة الشك به والنفور من المؤمنين به طالما كونه مرتبطا بالإرهاب وقتل الآخر والأسف كل الأسف ان هناك من المسلمين من يقدم خدمة مجانية لهذا المشروع الغربي بقصد او من دون قصد.
إن الإسلام كدين يتعرض لعملية تشويه واسعة النطاق على يد داعش ساهمت بها بشكل مقصود وسائل الاعلام الغربية وحتى العربية من أجل استدامة الفعل السياسي المؤسس على قبول الرضوخ والاستسلام لكل ما هو غربي وبعد أن سقط شعار الاعتماد على الذات العربية التي ما عادت منتجة لأي شيء بفعل أسباب ذاتية وموضوعية لم يكن آخرها مشروع داعش لكي يتسنى تبرير طلب النجدة من الخارج الذي يغدو وفق التوصيف أعلاه بكونه المنقذ والمنجد من همجية البرابرة الجدد وتزداد سقوف فرضية وخيار المنقذ الأجنبي في ظل قناعة العجز الداخلي باستحالة التخلص من وباء داعش وحينها يغدو الخارج مطلبا وطنيا وجماهيريا عندها يزداد التمسك بالخارج أكثر فأكثر في ظل تدني وتلاشي الخيار الوطني المفقود أصلا.
من هنا نستطيع أن نفهم خطوة المرجعية العليا المتمثلة بفتوى الجهاد الكفائي والتي أعادت الاعتبار إلى الذات العراقية بعدما انعدم الأمل لديها بفعل الأداء السياسي غير المسؤول للبعض، فالفتوى بثت الروح في الخيار الوطني وإمكانية الاعتماد على الذات بعيدا عن اشتراطات الخارج «الغربي» الذي ثبت بالدليل أنه يقدم خدماته لقاء مستوى الخدمة التي تقدمها إليه ولعل ذلك مقبول في عالم السياسة، ولكن من غير المقبول ان نكون أعداء لأعداء الغرب وأصدقاء لأصدقائه مما يسقط لدينا حتى قدرة اختيار الأصدقاء والأعداء وفقا لمصالحنا الوطنية.
إن استحضار المصلحة الوطنية هو الشرط الأساسي لكل قرار سياسي ناجز على المستويين الداخلي والخارجي، فالدول تتحرك بوحي من مصالحها الوطنية النابعة من الحاجة المادية والمعنوية دون الالتفات إلى أخذ موافقة هذا الطرف أو ذاك، فالمصلحة الوطنية هي البوصلة التي يهتدي بها صانع القرار لترجيح خيار على آخر أو بديل على آخر بما تمليه عليه المصلحة الوطنية العليا التي من دونها يغدو العمل السياسي أقرب إلى الانفعال منه إلى إي شي آخر وتضيع الأهداف والخطط وتتلاشى السترتيجيات وعند ذاك يغدو الوطن والمواطن في مهب الريح لا تنجيه إلا الصدفة التي يجب أن تنتهي وتموت في قاموس العمل السياسي المسؤول والواعي.
إن غياب المصلحة الوطنية في ادراك صانع القرار السياسي يشبه نسيان الجندي لعدته وهو في حالة الحرب ويجعل منه خاضعا لمشيئة الآخر الذي لن يتوانى في الإجهاز عليه سريعا فالدول تتحارب وتتسالم لا من أجل شيء سوى مصالحها الآنية والمستقبلية.