عطيل الجفال 
العربدة الجوية التركية التي أدت الى إسقاط طائرة السوخوي 24 الروسية فوق الأجواء السورية القريبة من تركيا، غيرت موازين اللعبة الدولية، وقادت الى تناقل مواقع اللاعبين الأساسيين على خارطة الازمة السورية بما لم تكن تتمناه أنقرة، وسلطان حربها المنتشي بنتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة رجب طيب أردوغان.
اسقاط الطائرة الروسية نقل الازمة بين موسكو وانقرة من فضائها الصامت الى فضاء معلن خلق تفاعلاته الخاصة على المستوى الداخلي التركي وعلى المستوى الدولي العابر للعلاقة بين الطرفين.
داخليا، أعادت الازمة العلاقة بين حزب العدالة والتنمية وجنرالات الجيش الى مربعها الساخن، فغداة رد الفعل الروسي غير المتوقع، حاول اردوغان ان يلصق الحادثة بالمؤسسة العسكرية التي قال انها تصرفت دون قرار سياسي حين أسقطت الطائرة الروسية، ليمرر اعتذارا غير صريح للروس من جانب، ويزيد من ضغطه على الجنرالات المعارضين لتغيير النظام السياسي التركي من برلماني الى رئاسي وفقا لطموحات اردوغان الإمبراطورية من جانب آخر. إلا ان المؤسسة العسكرية قامت بتسريب معلومات لصحف مقربة من اردوغان تفيد بأن «اسقاط الطائرة جاء بناء على تعليمات مُسْبَقة وأكيدة من الحكومة» وأن «القيادة السياسية هي التي تتحمّل النتائج». وفقا لما نشرته صحيفة الحياة اللندنية في تقرير لمراسلها من أنقرة.
صحيح ان الجنرالات لا يتمكنون خلال الزمن المنظور من استعادة الدور التاريخي للمؤسسة العسكرية التركية في الحياة السياسية، لكن الصحيح أيضا ان أردوغان غير قادر خلال الفترة الحالية على إعادة إنتاج سيناريو تقليم أظافر الجنرالات كما فعل من قبل من خلال هجومه على القيادات العسكرية التي اتهمها بالمؤامرة على النظام الديمقراطي وتخطيطها للقيام بانقلاب عسكري، مما سهل عليه اعتقال ضباط كبار وإحالة آخرين على التقاعد، كما حصل في الهجمة الأولى التي أطلق عليها اسم ارغنكون والثانية التي أسماها المطرقة الثقيلة. 
على مستوى العلاقات الثنائية بين موسكو وأنقرة، تدحرجت الازمة في تسارع لافت نحو أفق مفتوح، اعتمدت فيه روسيا سياسة الباب الموارب، أي انها لم تلوح بقطيعة تامة، لكنها اتخذت حزمة إجراءات ناعمة، ولاسيما الاقتصادية منها، أوجعت تركيا وأسقطت من يدها الورقة الأهم التي حاولت تمريرها دوليا، وهي ورقة المنطقة العازلة على حدودها مع سوريا، حيث كانت تأمل أن تكون هذه المنطقة مساحة حرة لاستقبال النفط المهرب من قبل داعش، كما انها تكون منطقة آمنة لمرور المقاتلين الأجانب الى صفوف داعش، ناهيك عن تمرير الأسلحة التي تزود تركيا بها التنظيم المتطرف مقابل النفط والآثار.
بالمقابل، لم يتوان الدب الروسي عن استثمار العربدة التركية، حيث باشر على الفور بنشر منظومة صواريخ (أس400) في قاعدة حميميم، والتي جوبهت قبل اسقاط الطائرة الروسية برفض اميركي اوروبي، إضافة الى تعزيز قوته البحرية بالطراد موسكوفا الرهيب في الساحل السوري، أمام صمت اميركي أوروبي يكاد أن يتبرأ من الحماقة التركية التي عبثت مع الكبار دون ان تحسب حساب رد الفعل الروسي، مكتفية بحماية البند الخامس من حلف الناتو التي تضمن لها وقوف الحلف معها في حال تعرضها الى عدوان دولة من خارج الحلف.فقد تناولت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية بعيد الحادث ونقلا عن مسؤول رفيع المستوى في إدارة أوباما، أنّ واشنطن قد بعثت برسالة إلى أنقرة مفادها، ان اللعبة تغيرّت، لقد نفد صبرنا، والحدود تحتاج إلى إغلاق لأنّ ذلك يمّثل تهديدا عالميا، وكله يأتي من الحدود السورية والأراضي التركية. 
وعلى الرغم من تصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير التي قال فيها، إن لدى الرئيس السوري بشار الأسد خيارين إما أن يرحل عبر عملية سلمية أو يبعد عبر عملية عسكرية، إلا ان الرياض لم تجد بدا من الانحناء أمام عاصفة التطورات الأخيرة عبر تبنيها لمبادرة تقضي باجتماع شخصيات من المعارضة السورية في الرياض بهدف «توحيد» مواقف المتنازعين قبل جولة قادمة من محادثات السلام السورية في فيينا، حيث وجهت السعودية الدعوة إلى 65 شخصية من المعارضة لحضور الاجتماع المزمع عقده في الفترة الممتدة ما بين 11 و13 كانون الأول الجاري.
والمبادرة السعودية تأتي استباقا لمؤتمر فيينا المقبل حول الازمة السورية والذي يجري التحضير له على إيقاع تغيير قواعد اللعبة في المناطق ووفق ارتدادات تفجيرات باريس التي تبناها تنظيم داعش منتصف تشرين الثاني المنصرم وراح ضحيتها عشرات القتلى ومئات الجرحى، حيث ان من المرجح أن تجد تصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري والتي أكد فيها، أن الحل السياسي للأزمة السورية سيساهم بشكل أساسي في القضاء على داعش، مؤكدا على أنه، في حال الاتفاق على هيئة انتقالية، فإنه سيصبح من الممكن توحيد جهود الجميع ضد داعش.
روسيا ستكون اللاعب الرئيس ضمن قواعد اللعبة الجديدة في المنطقة، وسوريا قد تخرج من عنق زجاجة الازمة المستمرة منذ ما يربو على الخمسة أعوام، فيما سينحسر دور تركيا والسعودية وقطر والولايات المتحدة أيضا بعد تهاوي قواعد اللعبة القديمة التي تبين انها داعشية بامتياز.ٍ

التعليقات معطلة