محمد محبوب 
بعد تأجيل بسبب انشغالات الحرب والإصلاحات لزيارة كانت مقررة منذ وقت ليس بالقصير، اصبحت اليوم زيارة بكين من اولويات رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي والتي سيطير اليها بصحبة وفد حكومي رفيع في زيارة رسمية قد تستغرق يومين لبحث تطوير العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات، والأمر المهم في هذه الزيارة هو توقيتها الذي تزامن مع حادثة الخرق العسكري التركي لأراضي البلاد، وانعقاد جلسة مجلس الأمن لمناقشة هذا العدوان، حيث التقى وزير الخارجية ابراهيم الجعفري فور وصوله الى نيويورك يوم الجمعة الماضي ممثل الصين في مجلس الأمن  الذي اكد أن بلاده ستقف مع العراق ضد أي انتهاك لسيادته، فضلاً عن امكانية مساهمة صينية في استحقاقات الحرب ضد الارهاب والإصلاحات وتداعيات الأزمة المالية، اقول لقد احسنَ السيد العبادي اختيار هذا الوقت بالذات لزيارة الصين من اجل فتح آفاق جديدة للعلاقات معها.
الصين دولة عظمى وعضو دائم في مجلس الأمن ولديها شركات عملاقة وقدرة استثمارية هائلة ولا توجد لديها اطماع في الأرض العراقية ولا تريد ان تحول العراق الى سوق استهلاكية فقط كما تحاول بعض الدول ومنها تركيا، والصين لديها الرغبة والقدرة على الاستثمار في العراق والتعاطي مع الظرف المالي الحالي الذي تعاني منه البلاد، ومن الممكن ان تكون البضاعة الصينية بديلاً مناسباً في حالة غياب البضاعة التركية عند اضطرار العراق الى وقف التبادل التجاري بين البلدين إذا ما واصلت تركيا وجودها العسكري على الاراضي العراقية، وهو ما ظهرت بوادره بصورة قرارات شعبية بمقاطعة البضائع التركية من قبل تجار ومواطنين في الايام الاخيرة. دولة الصين شريك اقتصادي إيجابي (تعطي وتأخذ) على خلاف بعض الدول التي دأبت على استنزاف الاموال العراقية لسنوات طويلة لكنها تمتنع عن مد يد المساعدة في الأوقات العصيبة من خلال قرض بفائدة محدودة او استثمار بدفع آجل او اية مساعدات اخرى.
وإذا ما راجعنا تاريخ العلاقات العراقية الصينية، فاننا سنجد الكثير من العلامات المشجعة على اهمية تطوير هذه العلاقات، وقد سعت الصين الى تقوية علاقتها مع العراق بشكل كبير وهي علاقة تطورت بشكل متسارع بدءا من قيام الصين بافتتاح سفارتها في بغداد في العام  2004 ودعم النظام السياسي الجديد في العراق وتقديمها بعض المساعدات له، ودعوة المسؤولين العراقيين لزيارة الصين، حيث زار الرئيس العراقي السابق جلال طالباني الصين في  العام 2003 عندما كان عضوا في مجلس الحكم ثم في العام  2007 بعد تسنمه منصب الرئاسة، واسفرت زيارته عن توقيع خمس اتفاقيات تضمنت حل المشاكل المتعلقة بالعقود النفطية بين الشركات النفطية الصينية والحكومة العراقية في عهد النظام السابق، والغاء الصين لديونها الحكومية البالغة 8,5  مليارات دولار المستحقة على العراق بنسبة 100  بالمئة، وتخفيض ديون الشركات الصينية الخاصة بنسبة 80  بالمئة على مدى 17  عاما ابتداء من العام 2010 وتعزيز التعاون ما بين وزارتي خارجيتي الصين والعراق، وتعزيز التعاون في المجالين الاقتصادي والفني، وتوفير برامج تدريبية للكوادر الوظيفية العراقية، واعقبها انشاء آلية تشاور سياسي بين الطرفين عقدت اول اجتماعاتها في كانون الثاني 2008  حيث جاءت زيارة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في العام 2011 خطوة اخرى باتجاه تعميق العلاقات العراقية الصينية، اذ أثمرت هذه الزيارة عن دعوة العراق للجانب الصيني لزيادة استثماراتها في القطاع النفطي، واقامة صندوق لإعمار العراق، وتقديم قروض منخفضة الفائدة في قطاع المواصلات العراقي.
وقد اخذت هذه الاتفاقيات حيز التنفيذ ابتداءً بتنشيط اتفاقية حقل الاحدب النفطي في العام 2008 بعد ان تم توقيعها في العام 1997 واتفاقية حقل الحلفاية في العام 2009 بعد ان تم توقيعها في العام 1998 وعلى الرغم من ان الظروف المحيطة بالعراق في ذلك الوقت كانت تنبئ باستحالة استثمار الصين لهذه الحقول بسبب الحصار المفروض على العراق الا ان الصين استغلت الفرصة بتوقيع العقد نظراً لرغبتها بانتزاع تنازلات من الحكومة العراقية قد لا تتوفر في ظروف طبيعية مستقرة، ولاحقاً تعلمت الصين ان تكون حذرة جدا في توجيه استثماراتها نظرا لخساراتها الكبيرة بعد تغيير الانظمة كما حدث في ليبيا.
تدفع التنمية الاقتصادية كونها المحدد الاساس لسياسة الصين الخارجية نحو البحث عن الاستثمار في العراق اذ وصل عدد الشركات الصينية العاملة في العراق بنهاية عام 2011  الى حوالي 108  شركة استثمارية في قطاعات الطاقة والكهرباء والمواصلات والاتصالات، كما بلغت قيمة الصادرات الصينية للعراق في العام 2013  ما يقارب 7 مليار دولار اميركي، فضلا عن تعزيز التبادل التجاري ما بين البلدين والذي ارتفــــــع من 1 – 5  مليارات دولار في المدة ما بين 1991 – 1995 وارتفع الى نحو 2,5 مليار دولار في المدة ما بين 2004 – 2009  ليقفز الى 14 مليار دولار في العام  2011 ثم الى اكثر من  17 مليار دولار في العام 2012 ما جعل العراق الشريك التجاري العربي الرابع للصين، وجعل الصين الشريك التجاري الاجنبي الاول للعراق، وواصل التبادل ارتفاعه ليصل الى 24 مليار دولار في العام  2013 والى  22 مليار دولار في  العام  2014  ويبدو ان التبادل سيواصل ارتفاعه في السنوات القليلة القادمة.
ويشكل النفط ثلثي قيمة التبادل التجاري ما بين العراق والصين فضلا عن الكبريت والفوسفات والتمر، ويصدر العراق للصين ما يقارب 280 ألف برميل يوميا في العام 2011  و 300 الف برميل يوميا في العام 2012  و500  ألف برميل يوميا في العام 2013   و850  ألف برميل يوميا في العام  2014 ما يجعل العراق يحتل المرتبة الثانية بعد السعودية في قائمة مصدري النفط للصين، ويعمل العراق على تطوير علاقاته العسكرية والامنية مع الصين، ومن المتوقع زيادة فرص توريد الاسلحة من الصين مع التقدم الحاصل في نوعية الصناعة العسكرية الصينية ولدعم هذا التوجه تم فتح الملحقية العسكرية في بكين في العام 2004 والتي تم غلقها في العام 2009  ليعاد فتحها في العام 2013.
وبالتأكيد سوف تسهم زيارة العبادي لبكين بمزيد من التعاون، وتعزيز الثقة المتبادلة، وتبديد المخاوف تجاه اي تأثير خارجي على السياسة الخارجية العراقية تجاه الصين، وبما ان العراق يعد منتجاً ومصدرا للنفط لذا تنظر اليه الصين كدولة ذات اهمية ستراتيجية، ويمكن للعراق ان ينشئ سياسة خارجية ذات علاقات متنوعة  مع الصين التي لا تبدي اهتماما بالشؤون السياسية اكثر من اهتمامها بالشؤون الاقتصادية، فضلا عن ان علاقة العراق مع الصين لا تشكل ضررا للولايات المتحدة.

التعليقات معطلة