د. سعد العبيدي 
الأمس لا يفرق كثيرا عن اليوم، ففي الزمن القريب الذي لا يبعد سوى خمسة وتسعين عاما، تقرر تأسيس الجيش العراقي، وأوكلت المهمة الى عشر ضباط كانوا قد امتلكوا خبرة قتال وإدارة جيدة وعرفوا بوطنيتهم في القتال ضمن القوات العربية بقيادة فيصل الأول، وكانوا حقاً من خيرة الضباط الذين بذلوا جهداً متميزا في اختيار الضباط المتميزين، وتطويع المراتب المناسبين ليشكلوا أول فوج عسكري أخذ اسمه من الإمام موسى الكاظم عليه السلام، والذي عسكر في مدينة الكاظمية، ومن بعد هذا أصبح ذلك الفوج البطل قاعدة صلبة لتأسيس أفواج أخرى وصنوف اكتملت بالتدريج، لتشكل جميعها الجيش العراق الذي نفذ جميع المهام التي كلف بها داخل العراق وخارجه وسجل أداءً متميزا في معارك وحروب عديدة.
إن الجيش العراقي الذي نفذ أمر السياسة، لم يسلم من أحابيلها ومشاكلها التي تعددت في العراق، والتي أدخلته في حروب لم يكن متهيئا لها أو غير مستعد لخوضها فنياً من حيث التسليح والتجهيز، وبسبب هذه الحروب والادارة السياسية غير الصحيحة تعرض هذا الجيش العظيم الى انتكاسات تنظيمية عديدة، ففي العام 1991 كانت أولى هذه الانتكاسات وأشدها إيلاماً بعد أن أمرته القيادة السياسية آنذاك على البقاء في مواضع القتال وعدم تنفيذ أوامر الانسحاب، ومن بعدها بقليل أصدرت له هذه القيادة أوامر الانسحاب، فنفذها وتحول انسحابه الى انسحاب قسري، أثر سلباً على قدرة هذا الجيش القتالية.
لكن السياسة لم تتعظ ولم تتوقف عن التصارع مع العالم من دون اتزان، فعاودت ثانية وزجت الجيش العراقي في أزمة اخرى على الرغم من انه لم يشف من إصاباته السابقة، وذلك في عام 2003 في حرب مع تحالف دولي يضم أقوى دول العالم، فكانت حرباً لا يمكن أن تكون ناجحة بأي معيار عسكري ونفسي، فتسببت ليس بخسارة الجيش، بل وكذلك بحله وتدمير قدرته القتالية وبناه التحتية.
لكن الجيش العراقي وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي تعرضت لها البلاد بعد ذلك التاريخ، أي عام التغيير، وتمكن قوى الإرهاب الدولي من النفاذ الى داخل البلاد واتخاذ ارضه ساحة معركة، الا انه تمكن من إعادة تنظيم نفسه من جديد، إذ كان يتدرب لكي يقف على قاعدة صلبة ثانية، ويقاتل الإرهاب في الوقت ذاته، واستطاع ان يوقف زحفه الهمجي، ويمسك أخيرا بالمبادءة في أحلك الظروف وأقساها، كما انه استطاع ان يحقق انتصارا جيدا على هذه القوى الهمجية ويحرر الرمادي من رجسها.
وعلى هذا يمكن القول بأن الجيش القادر على إعادة بناء نفسه من نقطة الصفر والقتال باقتدار، سيكون قادرا بالتأكيد على حماية البلاد والتجربة الديمقراطية التي لا يمكن لأحد أن يحميها سوى أبناء العراق ومنتسبي هذا الجيش العظيم.

التعليقات معطلة