محمد صادق جراد  
من اهم الاسباب التي تؤدي الى فشل مشروع بناء الدولة وانهيارها هو الفشل في إدارة هذه الدولة والافتقار للرؤية الواضحة والإرادة الحقيقية للبناء وتفشي الفساد المالي الى درجة كبيرة بما يؤثر بدرجة خطيرة على ميزانية الدولة وبالتالي يؤدي كل هذا الى عدم توفير مقومات الدولة القوية اضافة الى انشغال أركانها في الصراعات الداخلية للاستحواذ على السلطة وتقاسم المكاسب، الأمر الذي يجعلنا أمام حالة من الفوضى واستنزاف الموارد المالية والبشرية بما يعطل عوامل النهوض والقدرة على التقدم .
ولا نبالغ اذا ما قلنا ان جزءا كبيرا مما سبق بات متوفرا في التجربة العراقية حيث يعترف الكثيرون منا لا سيما المرجعية الدينية العليا بغياب مقومات النهوض في ظل وجود العديد من القوى السياسية المستفيدة من الأوضاع الحالية على حساب المصالح الوطنية العليا ومصالح المواطن العراقي إضافة الى وجود رغبة بتأجيج الحساسية الطائفية بين فترة وأخرى تنفيذا لأجندات خارجية لتحقيق مصالح فئوية ضيقة تريد ان تذهب بالبلاد الى هاوية الحرب الأهلية.
ولا بد من الإشارة هنا الى حقيقة مهمة للغاية وهي ان استمرار الإخفاقات السياسية والاقتصادية والتراخي في مكافحة الفساد والإبقاء على الشخصيات الطائفية والتغاضي عن ولاءاتها وتصريحاتها وممارساتها، كلها امور تؤدي بالتالي إلى زعزعة روح المواطنة وتتسبب في عدم الثقة بنتائج صندوق الاقتراع الذي ضحى العراقيون كثيرا للحصول عليه وجعلوه الحاكم في اختيار القادة والممثلين.
المواطن العراقي كان ولا يزال لديه الاستعداد للتضحية بكل شيء والالتزام بما يتعلق به من واجبات تجاه الدولة وفق مفهوم المواطنة الحقيقية ولقد تجلى هذا الاستعداد للتضحية من خلال تطوع أبناء العراق في صفوف القوات الامنية والحشد الشعبي للدفاع عن الوطن والتضحية بالغالي والنفيس من اجل استعادة المدن التي دنسها داعش التكفيري ومن جانب آخر يضحي المواطن البسيط وهو ينتظر ويصبر طويلا على الحكومة لتحقيق مطالبه وتوفير الخدمات المناسبة له كأبسط حقوقه التي لا بد ان يحصل عليها كمواطن عراقي آمن بصندوق الاقتراع وخرج صوبه في أصعب الظروف الأمنية والاقتصادية. ولكن بالمقابل يريد المواطن ان يشعر بأن هناك إرادة حقيقية لبناء دولة المؤسسات وفق مبدأ المساواة بين أفراد المجتمع، الامر الذي يجعل الحكومة حاضنة لأبناء الوطن .الحقيقة التي يجب ان نقولها هنا هي ان هناك صراعا حقيقيا في الدولة العراقية بين من يؤمن بالدولة ويريد ان يفرض القانون ويحارب الفساد وبين من يريد ان يستثمر الأحداث ووصوله للسلطة لتحقيق مصالحه الشخصية والفئوية عبر ممارسة الفوضى وتحقيق المغانم والمكاسب حتى لو كانت على حساب المصلحة الوطنية العليا وعلى حساب وحدة وسيادة العراق. وعلى الشعب والإعلام الوطني والمرجعية الدينية والمنظمات المدنية ان تقف الى جانب الطرف الاول من اجل إفشال مشروع الفوضى والطائفية الذي يحاول البعض من خلاله إفشال مشروع بناء الدولة المدنية الحديثة.

التعليقات معطلة