حسن جوان 
بنيت جدران بايدن في المخيلة العراقية فور اطلاق خريطتها بعد الغزو الاميركي للعراق بأشهر قليلة, وقبل ان تتمثل في الواقع كخطة نفسية تمهيدية لتقبل ما سيكون. وهذا النمط الاستخباري في الحرب النفسية التنبؤية, هو جزء حيوي من تطبيقات المخابرات العالمية المدركة لسايكولوجيات التغيير. هذا يفسر المنحى الذي استند اليه كثير من الساسة العراقيين ثقة بتلك الفرضية وبسطوا برامجهم السياسية والانتخابية بناء على ما ستؤول اليه الامور كعباقرة قادمين. وفيما يستمر اقليم كردستان بحفر حدوده المخندقة, تستعد بغداد لتسوير حدودها بالكتل الاسمنتية, وتدور مباحثات مكثفة ليست سرية من قبل اطراف اخرى للتحضير للاقليم السني غرب العراق لدمجه بالشرق السوري. 
ورغم تبرير هذه الجهة او تلك بدواعي هذا الحفر وذلك التسوير بضرورات امنية تتعلق بسد الثغرات السابقة التي كان يتسلل منها الارهاب الى قلب المدن, وليس خطة لترسيم قادم.. الا ان هذه الطبخة الشاملة بتزامنها مع الحراك الاقليمي وصفقاته السرية بين اللاعبين الكبار, كل ذلك لا يشي ببراءة تلك التبريرات في هذا التوقيت او النسق العام، فالاقليم بطابعه النظري المبتكر في تاريخ الدول الاتحادية, هو صيغة متأرجحة بين الفيدرالية والكونفيدرالية التي لا تتصل بالسلطة الاتحادية إلا عندما تحين توقيتات الموازنة السنوية كل عام, لتذكر الاخوة بعراقيتهم التي ينكرونها صراحة لصالح بعد قومي يتم التحضير له منذ عقود, ويحظى بالتأييد من قبل الكثير من الشركاء السياسيين والدوليين. وبينما تتركز ثروات العراق الطبيعية والبشرية في اغلب الجزء الجنوبي من العراق, تعمل سائر الاطراف الاقل ثراء على السعي نحو تقسيم العراق لكن على ان يستمر نفط الجنوب في «مساعدتهم» وفي تحمل صراخاتهم وزياراتهم الاقليمية والدولية الساعية الى الفدرلة على مقاسات مستحدثة في القواميس الجيوسياسية. 
رفض اطراف سياسية واقليمية هذا المنحى اللعوب هو ما يشكل لعبة تجاذب مستدامة يسمونها «سياسة» وفق اجنداتهم. فيما يؤجل البعد النظري الحقيقي للتطبيقات السياسية التي تلقي باللعبة الى خارج اسوار الوطن باعتبار اجزائه ليست مادة للمساومة الانتخابية او التحالفات الدولية. ولم تدخر قوى التقسيم ولاعبوها العلنيون اي جهد في هذا السبيل في مختلف ارجاء المنطقة بذرائع غير خافية، بل وصل الامر الى توسل المنظمات الارهابية لاقتطاع مساحات من الارض سوف تحرر بأيدي الغيارى الرافضين للمشاريع الممزقة لأجساد الاوطان, دون ان يمنع المساومين في الطرف الآخر, لا التنصل من محاولة تحرير المدن المحتلة فحسب بل لم يمنعهم ايضا من اتخاذ ذلك الاقتطاع بل وذلك الاسهام المضحي من اجل التحرير الى مادة مضافة نحو مقدمات فرضية التقسيم التي تقوم على حسبة «هذا لي.. وهذا لك». ما وزعته ايد معروفة في شوارع بغداد في العام 2003 بعد سقوط الصنم, لم يكن خريطة وهمية من ابتكارات منظر السياسة الاميركية جو بايدن, وانما بحسب تواتر الاحداث خلال اكثر من عقد على ذلك, هو مشروع قائم يفصل بين محورين اساسيين.. بين من يكرس التقسيم وبين مستنفر في مقاومة التقسيم الوطني والاقليمي, ليس فقط باعتبار وحدة الوطن وتنوع اطيافه فقط, بل ادراكا اعمق بأن هذا المشروع لن ينهي المشكلة بل سيبدأها بأسوأ السيناريوهات المحتملة.

التعليقات معطلة