Pdf copy 1

أندرو إنجلاند
بينما تصارع جنوب إفريقيا أزمتها الاقتصادية الأعمق كما يقال في عصر الديمقراطية، هناك اسمان أصبحا قطبين للغضب الناشئ عن الاتجاه الذي تتخذه البلاد.
أحدهما هو جاكوب زوما، الرئيس الذي تتميز فترة ولايته الممتدة لسبع سنوات بفضائح على خلفية نمو فاتر ومخاوف متصاعدة بشأن الفساد والمحسوبية. أما الاسم الآخر فهو جوبتا، اسم العائلة ذات الروابط المتينة مع زوما، التي تدير إمبراطورية أعمال تجارية بالمليارات تمتد من قطاع التعدين حتى قطاع تكنولوجيا المعلومات ووسائل الإعلام. في أذهان العديد من سكان جنوب إفريقيا، أصبح هذان الاسمان يرتبطان ارتباطا وثيقا.
بالنسبة للمنتقدين، العلاقة بينهما أدت إلى امتلاك عائلة جوبتا، التي تنحدر أصلا من ولاية أوتار براديش الهندية، سطوة لا مبرر لها على القرارات الحكومية في أكثر دولة صناعية في إفريقيا، وسط مزاعم بأن ارتباطات العائلة السياسية سمحت لأعمالها التجارية بالازدهار، خصوصا بسبب المحسوبية في العقود المتصلة بالدولة.
الادعاء هو أنه في ظل حكم زوما، تعمل شبكات المحسوبية الكاسرة والمحاباة على نهب الدولة بشكل فاعل، مع عبارة «الاستيلاء على الدولة» التي أصبحت اليوم جزءا من معجم جنوب إفريقيا. وبينما يتصاعد التدقيق في مصالحها وأدوارها، يجري تصوير العائلة وبشكل متزايد باعتبارها رمزا للعلل التي تعانيها الدولة.
وقد تم اتهامهما بالتجاوز في عدد من المجالات، بدءا من التأثير الكبير في موظفي الدولة والتعيينات، إلى استخدام هذه الروابط للفوز بعقود حكومية. هذه الادعاءات – التي لم يثبت أي منها – انتشرت وسط معارك على السلطة داخل المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم وداخل والحكومة.
يقول ديفيد لويس، رئيس وحدة رصد الفساد، وهي إحدى منظمات المجتمع المدني: «إن شركات عائلة جوبتا مبهمة نوعا ما ومن الصعب تحديدها. لكن يبدو أن ميزتها التنافسية الوحيدة هي قربها من القيادات السياسية المهمة (…) ولا سيما الرئيس زوما وعائلته».
في مقابلات منفصلة مع «فاينانشيال تايمز»، دافع كل من زوما وآجاي جوبتا عن العلاقات بينهما، وأنكرا أن للعائلة أي تأثير في السياسة أو أنها استفادت أكثر من اللازم من تلك العلاقات.
يقول جوبتا، في مقابلة نادرة أجريت معه: «نحن رجال أعمال ولا علاقة لنا بالسياسة». باعتباره أكبر أشقائه الثلاثة الذين يديرون إمبراطورية العائلة، يقول إن واحدا في المائة فقط من أكثر من خمسة مليارات راند (325 مليون دولار) من الإيرادات السنوية المتولدة من الأعمال التجارية لديهم مشتقة من عقود حكومية.
وفي رد على أسئلة حول ما إذا كانت عائلته قد أثرت في التعيينات الوزارية، يقول جوبتا: «إنه كلام فارغ، كلام فارغ تماما. إنها جميعها شائعات ولا يمكنك تقديم رد على الشائعات. لا يمكنك تبريرها».
تعديل وزاري
منذ القرار الذي اتخذه زوما في كانون الأول (ديسمبر) باستبدال شخص غير معروف هو ديفيد فان رويين، بوزير المالية، نللانهلا نين بال، ازداد التدقيق المتعلق بدور عائلة جوبتا. وقد عمل المأزق – حيث كان زوما مضطرا لاستبدال اثنين من وزراء المالية خلال أربعة أيام – على إثارة واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية والسياسية خلال عقدين من الزمن، مع تكهنات بأن زوما وحلفاءه كانوا يريدون يدا أكثر مرونة لإدارة سلاسل الدولة المالية.
ويقال إن نين قاوم خطط زوما بأن تبني الحكومة مصانع للطاقة النووية يعتقد كثيرون أن الدولة لا يمكنها تحملها، إضافة إلى محاولات من قبل مجلس إدارة شركة طيران الدولة الخاسرة، خطوط طيران جنوب إفريقيا، لإعادة التفاوض حول صفقة مع «إيرباص».
كتب فلويد شيفامبو، نائب زعيم جماعة «مقاتلو الحرية الاقتصادية»، وهي جماعة منشقة عن حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، أن نين «طرد لفتح المجال أمام تكتل تقوده جوبتا لينهب موارد الدولة للثراء الخاص».
ولم تكن المعارضة وحدها هي التي أثارت تساؤلات حول تأثير عائلة جوبتا. إذ أكد مسؤول رسمي حكومي سابق رفيع المستوى أن قادة الاستخبارات الثلاثة في الدولة أجمعوا في عام 2011 على ضرورة التحقيق مع العائلة بسبب ظهور تقارير عن نفوذها. لكن وزارة الأمن ألغت الفكرة خلال 24 ساعة، بحسب المسؤول الرسمي السابق الذي يضيف: «إن كان هناك استيلاء على الدولة فهو تلقائيا يطول الأمن القومي». وقد استقال رؤساء أجهزة الاستخبارات الثلاثة لاحقا.
بعد مضي عامين على تلك الأحداث، بدت مخاوف رؤساء الاستخبارات تظهر عندما هبطت طائرة مستأجرة تحمل أشخاصا من الهند في قاعدة ووتركلوف الجوية في نيسان (أبريل) من عام 2013، جاؤوا لحضور حفل زفاف لعائلة جوبتا، ما أثار فضيحة وطنية وعمل على إبراز وضع الأسرة. وقال تحقيق حكومي فيما بعد إن القضية اعتبرت «حادثة أمن وطني»، لأن القاعدة الجوية كانت مخصصة حصريا لاستخدام الرحلات الجوية العسكرية ورؤساء الدول. وخلص التحقيق إلى أن «أنشطة بعض الأشخاص المعنيين كانت مدفوعة بالممارسة غير المرغوبة من التأثير غير اللازم والتعسف في استخدام السلطة العليا».
وأفاد بأن مسؤولين استخدموا اسم الرئيس، سواء بشكل مباشر أو بالإشارة إلى «الرقم واحد»، للضغط والسماح للطائرة باستخدام القاعدة الجوية.
وقال اجتماع لكبار مسؤولي المؤتمر الوطني الإفريقي في كانون الثاني (يناير) إن الحزب كان يحتاج إلى «التعامل بشكل حاسم مع تهديد الاستيلاء على الدولة»، وهي ظاهرة يجري فيها تقسيم عقود الدولة بين مجموعة من السياسيين ورجال الأعمال.
يقول زويلي ماكيزي، من كبار مسؤولي حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، إن الرسالة لم تستهدف جماعة واحدة أو فردا معينا، لكنها كانت بمنزلة تحذير «للقادة المنتخبين ليكونوا على وعي وإدراك بعدم الخضوع لأي مطالب مقدمة من أي من جماعات المصالح. لن أضفي الطابع الشخصي لذلك على عائلة جوبتا، لأنني أقول إنها عامة».
ويصر زوما على أنه لم يكن هناك أي تأثير خارجي على قراره المتمثل في استبدال وزير المالية – وهي خطوة عدل عنها بعد مضي أربعة أيام من جراء التعرض لضغط حزب المؤتمر الوطني الإفريقي كونه قام بإعادة تعيين برافين جوردهان وزيرا للمالية. كما يدافع عن تعيين فان رويين بأنه «قرار كان نتيجة تدبر».
كذلك كان حاسما في دفاعه عن علاقته مع أفراد عائلة جوبتا ومشاركتهم مع ابنه، دودوزين، الذي يتمتع بروابط أعمال تجارية مع العائلة. «هل هناك أي خطأ فيما لو انضم دودوزين بوصفه ابنا لجاكوب زوما، بمحض إرادته، للشركات أو شكل شركات مع أناس آخرين. أين المشكلة في ذلك؟».
مشاريع متتابعة
تعود جذور عائلة جوبتا مع جنوب إفريقيا إلى عام 1993، عندما زار أتول جوبتا، أحد الأشقاء الثلاثة، البلاد لأول مرة. بعدها قرر العودة لافتتاح محل لبيع الأحذية في جوهانسبيرج. وتبعه أخواه، راجيش وآجاي. وفي عام 1997 أسست العائلة التي كانت تمتلك بالفعل مصالح تجارية في الهند، شركة صحارى للكمبيوتر.
وعملت منذ ذلك الحين على توسيع نطاق مصالحها عبر مجالات التعدين والعقارات ووسائل الإعلام، مع إطلاق صحيفة «نيو آيدج» New Age (العصر الجديد) الموالية للحكومة في عام 2010 وقناة تلفزيونية.
وتشارك أجاي النجاح مع «أناس مجدين ومجتهدين» لكن التساؤلات تبقى حول مصدر أموال العائلة لتوسيع إمبراطوريتها التجارية. وقد ولدت شركاتها الرئيسية القابضة، «صحارى القابضة» و»أوكباي للاستثمارات»، إيرادات تقدر ـ 1.35 مليار راند و3.6 مليار راند على التوالي خلال الـ 12 شهرا المنتهية في شباط (فبراير) 2016، بحسب ما تقول العائلة.
ولدى دودوزين زوما الذي كان متدربا ذات مرة في شركة صحارى لأجهزة الكمبيوتر، مقتنيات مباشرة وغير مباشرة في العديد من الكيانات التي تسيطر عليها عائلة جوبتا. وتشمل شركة إنفينيتي ميديا، الشركة القابضة المخصصة للقناة التلفزيونية «إيه إن إن 7»، وتيجيتا للاستكشاف والموارد، وهي شركة تعدين. يقول جوبتا: «لقد أدركنا أن لدينا تعاونا جيدا ودودوزين شاب عمل بالفعل بجد واجتهاد. وعليه قلنا حسنا دعونا نتعاون ونتكاتف معا».
ويضيف أن العائلة «ربما» قدمت «قرضا صغيرا جدا» للشاب زوما على شكل تمويل للتوريد، كما هو شائع في جنوب إفريقيا عندما تبدو الأعمال التجارية بأنها تجلب شركاء من السود لتلبية الأهداف بشأن مشاركة السود في الاقتصاد. تيجيتا – المملوكة بنسبة 34.5 في المائة لشركة أوكباي للاستثمارات و28.5 في المائة لشركة مابينجيلا للاستثمارات، التابعة لدودوزين – كانت في صميم ادعاءات بأن سلطات التعدين دفعت مجموعة جلينكور السويسرية إلى بيع منجم الفحم أوبتيمام الخاسر إلى الشركة العام الماضي. يقول أحد الأشخاص المطلعين على الصفقة إن سلطات التعدين هددت باستخدام إجراءات تنظيمية للضغط على جلينكور، مضيفا أنها «كانت استراتيجية تدخلية انطوت على تهديد موثوق به من قبل السلطات».
وترفض كل من إدارة الموارد المعدنية وشركة أوكباي هذه الادعاءات. وتقول الشركة إنها سعت، وفشلت، في شراء اثنين من المناجم الأخرى. ويقول نازيم هوا، الرئيس التنفيذي لشركة أوكباي للاستثمارات: «على الرغم من نفوذنا المتصور وقوتنا، لكننا هزمنا منذ الجولة الأولى في اثنين من تلك العروض».
ويتمتع أفراد عائلة جوبتا بعلاقات مع السياسيين منذ سنوات. ففي عام 2002، بعد مضي عامين على انتقال آجاي جوبتا إلى جنوب إفريقيا بشكل دائم، تم تعيينه في مجلس أمناء «براند إس إيه»، وكالة الترويج الدولية في جنوب إفريقيا، وهو منصب لا يزال يحتفظ به.
ويرفض جوبتا تقارير وسائل إعلام محلية تشير إلى أن لديه ارتباطات مع وزير التعدين، أو أي تأثير خلال الأيام الأربعة التي قضاها فان رويين وزيرا للمالية. ويقول عن فان رويين: «ربما شاهدته في أحد الأماكن أو غيرها، لكن ليست لي أي علاقة به على الإطلاق».
ورفضت العائلة أيضا ادعاء، مقدما لـ»فاينانشيال تايمز»، بأنها سألت مسيبيسي جوناس، نائب وزير المالية، قبل أسابيع من تعيين فان رويين عما إذا كان مهتما بالمنصب الشاغر رفيع المستوى في وزارة المالية، وذلك خلال اجتماع في منزل جوبتا.
وقال متحدث رسمي باسم العائلة: «هناك عدد غير عادي من الادعاءات المتعلقة بعائلة جوبتا خلال الأسابيع الأخيرة، شمل عديدا منها وزارة المالية. ولنكن واضحين تماما: لم يكن هناك أي اجتماع على الإطلاق».
ورفض كل من وزارة المالية وجوناس التعليق على الموضوع.
تكوين الصداقات
اجتمعت العائلة للمرة الأولى مع الرئيس زوما، الذي كان ضيفا في منزلها في جوهانسبيرج، في وقت مبكر من عام 2000. وكانت إحدى بناته مديرة في شركة صحارى لأجهزة الكمبيوتر، وإحدى زوجاته عملت في شركة جيه آي سي لخدمات التعدين التابعة للعائلة.
يقول جوبتا عن علاقاته مع زوما: «تكون على المستوى نفسه وتكون الصداقة بينكم أفضل قليلا مما كنت تتوقع. لكن هذا ليس له علاقة بمنصبه (…) إنه واحد من أكثر الأشخاص احتراما في العائلة».
ويبدو المسؤولون الكبار الآخرون أقل افتتانا بالعائلة من زوما. في الشهر الماضي، اختار جوردهان، وزير المالية، عدم المشاركة في إفطار أقيم مع قادة الأعمال التجارية تحت لافتة مجموعة «نيو آيدج» الإعلامية التابعة لعائلة جوبتا. وتم تفسير قراره هذا بأنه رسالة موجهة بأنه لا يرغب أن يكون مرتبطا بمصالح العائلة. وعندما مضى الاجتماع قدما في النهاية، دون مشاركة «نيو آيدج»، حذر جوردهان قائلا: «هناك أجزاء عدة من الصفقات بين الحكومة والأعمال التجارية، من التي حصلت فيها أخطاء خطيرة وإن لم نوقفها سنصبح في موضع أقلية نافذة في موضع الاختلاس».
وفي حين أن التركيز كان على عائلة جوبتا، يقول معلقون إن هذا ينبغي ألا يصرف النظر عن عمق المحسوبية والفساد الذي رزئت به جنوب إفريقيا.
كاجاليما موتلانته، الذي عمل نائبا لزوما من 2009 حتى 2014، يقول إن حزب المؤتمر الإفريقي ينبغي أن يتدخل. لكن النذر لا تبشر بخير.
وقال موتلانته: «إذا كان الحزب نفسه في وضع سيئ، أو كان ضعيفا، عندها ليس هناك وجود للمحاسبة والمساءلة. وهذه هي الطريقة التي يقود فيها شيء نحو شيء آخر، وسرعان ما تجد أن هناك ثقافة كاملة من الرعاية والفساد. وحسب الموقف الذي تكون فيه وطريقة نظرتك إلى خطورة الموضوع، عندها أقول إننا ننجرف في هذا الاتجاه، وبسرعة كبيرة».

التعليقات معطلة