نشوان محمد حسين 
لو إننا أردنا – وعلى سبيل المثال- أن ننفذ مشروعا على ارض الواقع (صناعيا أو زراعيا) أو مشروعا اجتماعيا للتنمية والتثقيف.. فمن الطبيعي جدا أن تحدث الأخطاء وليس من السهل أن يتم المشروع دون خروقات أو الاضطرار لما هو ليس بالحسبان.. فالكلام على الورق ليس مثل الخطوة على التراب (خصوصا إذا كان تراب حرب).. والتعامل مع الكمي لا يمكن قياسه على المواضيع التي تخضع للمسألة الاجتماعية والنفسية والتي تكون مفتوحة على توقعات سلوكية متشعبة ومعقدة.. فهذه المسألة الاجتماعية والنفسية حتى وإن كانت تحاول العمل ضمن ضوابط وقوانين إلزامية معينة ولكن تنوع المواقف وتجاذباتها وانفتاحها على ما هو غير متوقع أو محسوب من الطبيعي أن يجعل التصرف الذاتي أو سلوك المجموعة وقرارات اللحظة هي السائد بعيدا عن القوانين الشمولية العامة وتفاصيلها الفرعية التي تصبح حينها أما ضربا من المثالية أو إنها تغيب في ثورة الأحداث لا سيما الجسيمة منها.
 لا أريد أن أطيل أكثر ولكني أقول هذا لأوضح للذين ينتقدون تصرفات بعض القوى الأمنية التي تقوم بمحاربة الإرهاب الداعشي وغيره وخصوصا الحشد الشعبي وكأنهم يتحدثون عن أخطاء في مسألة رياضية أو تجربة مختبرية، أو ربما أنتج خيالهم شيئا عن حرب مثالية أو حرب لطيفة.. متناسين أنها دماء وفناء، تَفني أو تُفنى حتى حين تقاتل أفعى أو ذئبا فما بالك حين تقاتل جيشا من الإرهاب يفخخ نفسه ويقتل الشيخ والطفل الرضيع ويتفنن في ابتكار وسائل القتل.. يفخخ لك الجثث والحيوانات والبيوت والسيارات بل وحتى أعمدة الكهرباء وأجهزة الموبايل.. ويجند الأطفال ويأتيك متنكرا بزي امرأة أو بزي صديق حتى يجعلك لا تأمن لكل شيء يتحرك أمامك ويبقى كل ما هو ثابت مدعاة لفخاخ الغدر. نعم يمكن أن نعترف أن القوات الأمنية لا تخلو ممن يرتكبون الأخطاء ولكن المنتقدين وللأسف لا يتكلمون عن هذه الفئة القليلة بل يحاولون وبمنظار مثالي سخيف أن يوصموا بها كل القوات الأمنية لأن المنتقدين هم أساسا يحملون أما جهلا أو نوازع مريضة لا تختلف كثيرا عن الفئة المجرمة سالفة الذكر.
يقول الفيلسوف الألماني نيتشه (وأنت تطارد الوحش احذر أن تصبح وحشا) نعم هذا في حال كنت أصارع وحشا حيوانيا يتفوق عقلي وسلاحي على مخالبه وأنيابه.. ولكني حين أصارع وحشا بشريا يتفنن عقليا وغريزيا في إبادتي الشاملة.. وحشا يقف خلفه وحش بشري آخر يوفر له تقنية وأسلحة تتفوق على أسلحتي أحيانا.. فمعذرة يا نيتشه فهنا يحدث أن احتاج لأكون أكثر وحشية منه لأنتصر عليه.. هذا يذكرني بما قرأته عن الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين وهو يخاطب جنوده المتقهقرين أمام تقنية ووحشية الألمان قائلا (هل تريدون أن تنتصروا عليهم.. عليكم أن تكرهوهم أولا)! وثمة من يجد في العمليات الانتحارية للطيارين اليابانيين على البوارج الأميركية سببا في اضطرار الأميركيين لاستخدام السلاح النووي!، وهذا بدوره يربط موضوعنا بأدبيات علم النفس العسكري، إذ أن الجيوش في ساحات القتال تحتاج إلى الإيمان بقضية الحرب العادلة لتعزز روحها المعنوية وتوحد صفوفها، هذه الروح التي تتشجع وتصمد على أساس الفكرة المقدسة والعقيدة.. لذا فعندما يأتي الداعشي مدججا بكل عقائد التعصب والتطرف المبيدة للآخر والمفعمة بمؤامرات كبرى فمن الطبيعي جدا أن تحشد كل طاقاتك العقائدية التي يقاتلك ويكفرك هو على أساسها وينمو لديك كل ما هو متناقض معه! هذا العدو الذين يحاول أن يهزمك نفسيا ومعنويا وهو يعدم الأسرى ويغتصب النساء ويذبح الأطفال يجبرك بطريقة أو بأخرى أن تقسو عليه وتزداد عنفا في التعامل معه.. وفي ساحات القتال تختلط الأشياء ويذهب بعض الضحايا من الأبرياء ويبدو لك من السهل أن تنتقد مقاتلا يدافع عن حياة أطفاله وشرف نسائه ولكن لو جرب المنتقدون صعوبة المواقف وفداحة الخيارات لكان لهم رأي آخر يمكن أن تعززه قراءة حروب التاريخ لا بل حتى الحاضر.. فالحروب منذ حدوثها تترك خلفها الضحايا واقصد من هم ليسوا طرفا فيها أو من نسميهم بالمدنين العزل.
في الحرب العالمية الثانية كان عدد الضحيا المدنيين يفوق العسكريين بكثير.. وفيها على سبيل المثال قامت أكثر من ألف طائرة أميركية وبريطانية وقبل سقوط برلين بأشهر باستهداف مدينة شمال ألمانيا لجأ إليها المدنيون من بقية البلاد وقتلت في ليلة واحدة نعم في ليلة واحدة أكثر من 58 ألف مدني، والألمان مثلا اعدموا ملايين من الأطفال والنساء الروس.. والجنود الأميركيون اغتصبوا أكثر من 180 ألف امرأة وفتاة ألمانية ومن حلفائهم الفرنسيين أكثر من 50 ألف!. الحلفاء في حربهم ضد العراق عام 1991 لم تسلم منهم أكثر المناطق المدنية بما فيها الملاجئ وما فعله الصهاينة في بيروت عام 1982 كان أمرا رهيبا وما زالوا يفعلونه في فلسطين من إعدام للأطفال والفتيات بحجة وجود سكين مخبأة وليس حزاما ناسفا!.
لذلك لا شيء في هذا الوجود أكثر سوءا من الحرب وخصوصا الحرب التي تدور داخل المدن.. هذه المدن التي لا يمكن أن تكون البيئة الملائمة لحياة عدو قادم من براري ورمال التاريخ.. عدو لا يمكن لنا أن نتلطف به لنستفز إنسانية هي ميتة أصلا في تفكيره قبل قلبه.

التعليقات معطلة