علي حسن الفواز

يبدو أن  الأزمة السياسية آخذة بالتصاعد وسط خلافات عميقة بين الفرقاء، وباتجاه معطيات قد تضع الجميع أمام تحديات كبيرة، وأمام مواقف بات من الصعب السيطرة عليها، لاسيما بعد فشل أنموذج التحاصص، وتأثيراته السلبية في العملية السياسية، وعلى المجتمع، فهذا الأنموذج قد فرض هيمنته على الواقع السياسي العراقي منذ ثلاثة عشر عاما، وانعكست فرضياته على مجريات المشهد، حتى بات عمل المؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية رهينا بحسابات هذا التحاصص، حدّ أن البعض أخذ يُروّج له بوصفه تعبيرا عن  فكرة «التوازن الطائفي» وكأنها تعبير حقيقي عن استحقاقات وطنية وطائفية.
هذه الصورة المُضلِلة للحالة العراقية، وجدت في نمطية الخطاب السياسي التقليدي مجالا لترويج أطروحاتها، وللقبول بها بوصفها أمراً واقعاً، مثلما وجدت في ضعف البنية المؤسسية للدولة أرضية يسرت لتكريس التحاصص، وتدوير المصالح السياسية، وبما جعلها السبب الأكثر تأثيرا في إنتاج مظاهر الفساد والفشل والعشوائية وبطء بناء أسس الدولة الحقيقية.
خطورة معطيات الأزمة تحولت الى مشكلة وطنية خطيرة قد تهدد النسيج المجتمعي العراقي، فضلا عن تأثيراتها السلبية على تحشيد الطاقات والامكانيات لمواجهة الإرهاب والتكفير الذي تقوم به الجماعات الداعشية، وعلى مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية التي وجدت في هذه البيئة الهشة ارضيتها المناسبة للتضخم ولتعطيل أي جهد وطني للوقوف أمام هذه التحديات. 
ولعل ما يحدث اليوم من تظاهرات واعتصامات على مستوى البرلمان، أو على مستوى الشارع تحول الى الموضوع الأكثر إثارة، فبقدر ما تأخذ هذه الفعاليات الشعبية  بعدها الحقيقي في التعبير عن رفضها للفساد السياسي  والمالي والاداري، فأنها تدعو بالمقابل الى شرعنة وجود مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية تنهض بمسؤوليات البناء الوطني، وحماية الثروات الوطنية، ووضع العراق الديمقراطي الجديد على الطريق الصحيح.
وزارات تكنوقراط
شعارات حكومة التكنوقراط هي الأكثر حضورا في مشهد التظاهرات، كونها مطلبا وطنيا، ومطلبا لمواجهة الفساد، وللشروع ببدء عملية تنمية حقيقية لمواجهة التدهور الاقتصادي، والبحث عن مصادر جديدة لتعظيم موارد الدولة، ولتوسيع مديات الاستثمار الوطني في المجالات المتعددة.
هوية هذه الوزارات تُعطي دافعا لإيجاد آليات جديدة للبناء الحكومي، ولتعزيز صلاحيات رئيس مجلس الوزراء في اختيار وزرائه، ومحاسبته من قبل مجلس النواب، وهو بالضد  مما كان مُكرسا في البيئة السياسية التحاصصية، والتي أعطت للكتل والأحزاب السياسية مهام اختيار الوزراء، وعلى وفق حسابات ومصالح لم تكن بمستوى المسؤولية المهنية، وهو وضع وزير(المحاصصة) بعيدا عن الصلاحيات القانونية لرئيس الوزراء، وتابعا الى كتلته وليس للتشكيلة الحكومية>
ومن هنا، فإن خيار البحث عن وزراء تكنوقراط، بالمعنى المهني والسياسي، سيكون حافزا لتأهيل المؤسسة الحكومية، وتحفيز آلياتها،  مثلما هو الدافع الاجرائي لإخراج العمل الحكومي من هيمنة رؤساء الكتل، ومن حساباتهم للمصالح والحساسيات، والتي كثيرا ما تتقنّع بمفاهيم مضللة كالشراكة والتوازن وغيرها، وقطع الطريق على الكثير من الأجندات الاقليمية والدولية.
مفهوم التكنوقراط لايعني المهنية المجردة، بقدر ما يعني المهنية بتوصيفاتها العلمية والوطنية، والتي تضع الوزير في سياق فعاليات وتفاعلات تعني بناء المؤسسة الحكومية على أسس وبرامج تتناسب وحاجة المجتمع، وبما يجعل هذا الوزير أمام رقابة المجتمع ومجلس النواب والسلطة التنفيذية، وهو ماينبغي العمل على تكريس ذلك بوصفه تقليدا راسخا في ممارسات وتجارب الدول الديمقراطية.
الشارع والشعارات الوطنية
ما تحمله شعارات الشارع العراقي اليوم لن تخرج في جوهرها عن المطالبة بمواجهة الفساد والفاسدين، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتأهيل المؤسسة الحكومية لتكون بمستوى التحديات، وبمستوى معالجة الكثير من المشكلات التي يواجهها المجتمع العراقي في مرحلة ما بعد الديكتاتورية.
إن صورة الشارع العراقي تعكس في جوهرها فاعلية الجمهور، وتعكس أيضا حيوية الديمقراطية كنظام دستوري، وكخيار يحترم التنوع المجتمعي، ويكفل حقوق الحريات والتعبير عن الرأي دون قمع أو ضغط، وهو مانجد تجلياته واضحة، وفاعلة في دفع الجمهور للتعبير عن آرائه ومواقفه وخياراته في مواجهة مظاهر سلبية، وممارسات كرستها سياسات المحاصصة الطائفية، وبما جعلها مصدرا لإحداث الكثير من المضار والمكاره السياسية والاقتصادية والامنية، إذ أن هشاشة الواقع السياسي تعني هشاشة البرنامج الوطني الاقتصادي والأمني، مثلما تعني تعطيل الارادة الوطنية الجامعة عن ممارسة مسؤولياتها في النقد والمراجعة، وفي محاسبة المفسدين، ومواجهة كل التحديات الضارة بالأمن الوطني..
الرهان الوطني هو رهان المسؤوليات، ورهان البحث عن مستقبل حقيقي للدولة الوطنية، وهذا المعطى لن يتحقق دون وجود مشاريع وطنية حقيقية، ودون ارادات تتبني هذا الرهان، وتضعه في سياقات تنموية وبرامجية، وعلى وفق تمثلات تُعبّر عن وجود رؤية واضحة للتغيير، وللبناء، ولمواجهة كل تداعيات الفساد والتكفير والتخريب.

التعليقات معطلة