حازم مبيضين
لم يُجانب الصواب رئيس الاستخبارات السعودي السابق، حين أكد أن الأيام الخوالي بين بلاده والولايات المتحدة انتهت إلى غير رجعة، وأنه يجب إعادة تقييم العلاقة بينهما، ورؤيته أن هناك جانباً إيجابياً في تصريحات أوباما، وهو أنها أيقظت الجميع على أن هناك تغييراً في أميركا، يستوجب التعامل معه، ولعله كان يشير إلى تصريحات لأوباما قال فيها: إن المنافسة بين السعودية وإيران اسهمت في الفوضى في سوريا والعراق واليمن، وكان واضحاً حجم الاستياء الخليجي من سياسات واشنطن، من طبيعة الاستقبال الفاترة لأوباما في المطار، لكن ذلك لم يمنع أحد مرافقيه من التخفيف من أهمية ذلك، حيث لم يعتبر غياب العاهل السعودي إهانة للرئيس الأميركي، فيما أشار البعض إلى أنه رغم كل الاختلافات، فإن البلدين لن ينفصلا، لحاجة كل منهما للآخر.
واشنطن فاخرت بتسريع وتيرة تعاونها العسكري مؤخراً مع دول الخليج، وكأن الأسلحة المستوردة وثمنها أكثر من 33 مليار دولار وصلت بالمجان أو لوجه الله، وكأنها ليست رصيداً للجيش الأميركي فيما لو احتاجها رغم أن صانعها قبض ثمنها، ويبدو من خلال النتائج أن الهدف الرئيس من زيارة أوباما، كان إصدار بيان، يتضمن أساساً حضّ الدول الخليجية على القيام بدور أكبر في محاربة داعش، وإقناعها بالعمل مع إيران، لأنه لا مصلحة لأي دولة في النزاع معها، غير أن ذلك لم يمنع ساكن البيت الأبيض من بذل محاولة لطيّ صفحة الخلافات مع الرياض، بتأكيده أن واشنطن لم تكن لتنجح في إبرام الاتفاق النووي مع إيران، لولا تعاون دول الخليج.
كان التباين واضحاً بين واشنطن والدول الخليجية في ملفات عدة، خصوصاً الانفتاح على إيران وملفي اليمن وسوريا، حيث أكد الجانبان العزم على ترسيخ وقف الأعمال القتالية في سوريا، والحاجة للانتقال السياسي من دون الأسد، وفي حين أكد أوباما التزام العمل لوقف تمويل طهران، فإن القادة الخليجيين رحبوا بوقف الأعمال القتالية هناك، وكان العراق المادة الدسمة في مباحثات أوباما مع الخليجيين، ربما لأن الرئيس الأميركي يسعى لإنجاز مهم قبل نهاية عهده في مجال محاربة «داعش» سيكون العراق مسرحه، بعدما تقلصت كثيراً فرص الوصول إلى تسوية قريبة في سوريا، وهنا حذّر أوباما من أن أي إطالة لأمد الصراع في سوريا ستكون مكلفة، وأن الغالب سيرث بلداً منهاراً يتطلب سنوات عدة لإعادة بنائه، والواضح هنا أن واشنطن تتعاطى مع أزمات المنطقة من منظورها، المُختلف مرحلياً مع دول الخليج، رغم التشديد على أن اللقاءات في الرياض ساعدت على تنقية الأجواء، بمحاولتها إيجاد قاسم مشترك بين الأهداف والأساليب التي يتفق عليها الطرفان.
أوباما اغتنم الفرصة فدعا إلى دعم الإصلاحات في الدول الخليجية، وتحدث عن الحاجة إلى اقتصاد يخدم كل المواطنين ويحترم حقوق الإنسان، وهنا نتبين أن ما كان قائماً بين واشنطن والرياض لم يعد على حاله الآن، رغم اللهجة الودودة التي خاطب بها أوباما مضيفيه، وكان واضحاً أن لهجته مفتعلة وبعيدة عن اللهجة اللاذعة التي استخدمها في مقابلة مجلة «أتلانتيك» الشهيرة، وإن كانت تحمل ذات المضمون، وفيها من النصائح ما يكفي لاستثارة غضب المضيفين الذين فقدوا نعمة النفط الذي تنافسه اليوم بدائله، لكنهم مضطرون «لمسايرة» حليفهم التاريخي، ويحاولون ترسيخ صداقتهم معه، من خلال صفقات التسلح المليارية للعبور إلى المستقبل وسط نيران إقليمية مشتعلة، رغم أنها لم تسمع منه غير التوبيخ، وضرورة الالتفات للمخاطر الداخلية، الناجمة عن سياسات قاصرة، حول ضرورات الإصلاح وحقوق الإنسان والاهتمام بمشاكل جيل الشباب وتوجيه اقتصادها لخدمتهم ومواجهة مخاطر الإرهاب المتنامي.
هل كانت زيارة وداع أم هي استعراض لمواقف السعودية وأميركا من أزمات المنطقة؟ سؤال مطروح بجدية وجوابه أنه ليس هناك خلافات جذرية، بقدر ما أن المواقف ليست متطابقة، ولأن الرياض تظن أنها مركز القرار في محيطها العربي، فإنها تطلب من واشنطن المزيد من تقدير مركزيتها، والتشاور في أي مبادرة أميركية معلنة أو مستترة تجاه المنطقة، وإذ يعتقد البعض أن الولايات المتحدة ليست أكثر من دولة ترعى الفوضى، ولا تريد الوصول إلى نقطة استقرار يلتقي فيها المتصارعون برضاهم أو رغمهم، ويتهمونها بتحويل المنطقة إلى ساحات حروب عبثية، فإن قمة الرياض أكدت مجددًا جوهرية العلاقة بين الطرفين، رغم أن إدارة أوباما، أثارت الكثير من الشكوك الخليجية، بدعمها فوضى الربيع العربي، وخصوصاً جماعة الإخوان المسلمين، في حين خذلت معارضي الأسد، ووضعت كل بيضها في سلة الاتفاق النووي مع إيران.
وبعد فإن إدارة أوباما بدت خلال قمة الرياض وكأنها غير قادرة على الالتزام بمواقف محددة، تُغيّر شكل سياستها الحالية تجاه أزمات المنطقة، ما يعني أن المنظومة الخليجية ستظل على تشاؤمها من إمكانية الوصول إلى اتفاقات جوهرية مع واشنطن حيال الأوضاع البائسة في اليمن وسوريا والعراق وليبيا، وأن عليها انتظار إدارة جديدة، تُحدد شكل ومضمون العلاقة بين الطرفين، وسيكون على الدول الخليجية أثناء فترة الانتظار التنبه إلى كل ما يصدر من واشنطن، والعمل على تغيير ظروفها الداخلية لمواجهة التطورات المحتملة.