سيمون كوبر 
إذا أردت معرفة المستقبل، فإن أسواق المراهنات هي أفضل المتنبئين. توقعاتها أخبار سيئة بالنسبة للشعبويين. في الأشهر
 الـ 18 المقبلة، أربعة بلدان غربية كبيرة ستعقد انتخابات واسعة. الموقع الإلكتروني Oddschecker الذي يقارن الاحتمالات التي يقدمها مختلف المراهنين، يشير إلى فرصة تبلغ أكثر من واحد بقليل من أصل أربعة بريطانيين سيختارون خروج بريطانيا. والاحتمالات أن يصبح دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة أو أن تصبح مارين لوبان رئيسة فرنسا يحكم عليها بنسبة أقل. (كما قال باراك أوباما عن الرئيس الذي سيأتي بعده: «لا أحد يعلم بالضبط من ستكون»).
استطلاعات الرأي بشأن الانتخابات الألمانية العام المقبل، تتوقع أيضا أن الحزب المسيحي الديمقراطي الذي تتبع له أنجيلا ميركل سيبقى أكبر حزب، وحزب «البديل لألمانيا»، المناهض للهجرة، سينتهي في المركز الرابع. بعبارة أخرى، النخبة العالمية القديمة، التي تجسدها هيلاري كلينتون، من المتوقع أن تستمر في الإبحار.
هذا يتناقض تماما مع كل شيء كنا نسمعه في الآونة الأخيرة عن الغضب الشعبي. الأقلية الغاضبة تبدو ضئيلة بسبب أغلبية صامتة غربية تبدو قانعة بشكل مدهش.
حكاية الشعبوية اليوم تتلخص على النحو التالي: «النخبة الليبرالية الساذجة المتعجرفة الفاسدة تدمر بلداننا، عن طريق إدخال المسلمين / الثلاجات الصينية / قوانين بروكسل. لكن الآن بلغ السيل الزبى». على الرغم من أن الشعبويين غالبا ما يشكون أنه لا يتم سماعهم، إلا أن هذه الرواية حصلت على تغطية إعلامية حصرية: ترامب يحصل على وقت على التلفزيون أطول بكثير من هيلاري. من الممكن أن أسواق المراهنات تقلل من شأن ترامب. علينا ألا ننسى أن تقدمه السريع في الانتخابات التمهيدية الجمهورية في الولايات المتحدة فاجأ المراهنين بالفعل. مع ذلك، توقع الانتخابات التمهيدية يعد أكثر صعوبة من الانتخابات الوطنية، وهو يحتاج إلى استمالة ربما 12 مليون صوت في الانتخابات التمهيدية إلى ما يقارب 65 مليون صوت مطلوبة للتغلب على هيلاري، في الوقت الذي يعتبر فيه المرشح الرئاسي الوحيد في العقود الأخيرة غير المحبوب أكثر منها. (تخيلوا كيف يمكن أن تكون خسارته كبيرة لمصلحة خصم من التيار السائد متوسط الشعبية). إذا فشل كل من ترامب وخروج بريطانيا كما هو متوقع، فإن اللحظة الشعبوية اليوم ستبدو مبالغا فيها.
لا عجب أن معظم الغربيين يبدون راضين عن الوضع الراهن، لأنه على الرغم من كل شيء، هناك الكثير ليشعروا بالرضا حياله. الآن وقد تجاوزت منطقة اليورو أخيرا الناتج المحلي الإجمالي الذي حققته في عام 2008، فإن معظم البلدان الغربية حققت أعلى مستويات الناتج المحلي الإجمالي على الإطلاق. والتوسع الاقتصادي في الولايات المتحدة متواضع، لكنه سيبلغ عامه السابع الشهر المقبل. معدل البطالة في ألمانيا بلغ أدنى مستوياته، ومعدل التوظيف في المملكة المتحدة هو الأعلى منذ بدء الاحتفاظ بالسجلات في عام 1971. وانخفضت، أيضا، جرائم العنف بشكل حاد في البلدان الغنية منذ التسعينيات.
كثير من الناس يعانون، لكن معظمهم في وضع جيد. لهذا السبب عبر البريطانيون عن رضاهم عن الحياة بمقدار 7.6 من 10 العام الماضي، وذلك وفقا لاستطلاعات حكومية، في حين أن 91 في المائة من الألمان الذين تراوح أعمارهم بين 30 و59 عاما قالوا في استطلاع الرأي أجراه معهد ألنسباخ إن نوعية حياتهم «جيدة» إلى «جيدة جدا».
صحيح أن العولمة غالبا ما تكون مربكة ومؤلمة، لكن يميل الشباب إلى حبها. في استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في آذار (مارس)، وافق 76 في المائة من جيل الألفية الأمريكي على أن «المهاجرين اليوم يعززون البلاد بسبب عملهم الجاد ومواهبهم». في المملكة المتحدة المؤيد لأوروبا في عمر الـ 18 والناخب الذي يؤيد خروج بريطانيا يتوفى بسبب كبر السن.
كما ذكر أوباما الأسبوع الماضي، هذه هي «الحقبة الأكثر سلما والأكثر ازدهارا والأكثر تقدمية في التاريخ البشري. نحن أكثر ثراء وأكثر صحة وأفضل تعليما، مع اقتصاد عالمي أخرج أكثر من مليار شخص من الفقر المدقع».الأغلبية القانعة تتقبل أن السياسيين لا يستطيعون حل جميع المشاكل، أو إعادة التاريخ الحديث إلى الماضي. مثلا، لا أحد يستطيع استعادة هيمنة الولايات المتحدة الجيوسياسية في الحقبة ما بين عامي 1941 و2003، خاصة وأن الجيوش الكبيرة لم تعد تقريبا تفوز بأي حرب على الإطلاق.
على أية حال، يقضي معظم الناس القليل من الوقت وهم يتعذبون بسبب الشؤون الجيوسياسية. وهذا تأكد من خلال البحث عبر وسائل الإعلام الاجتماعية، النافذة الجديدة على النفسية الغربية. على موقع تويتر، أربعة من التغريدات الخمسة الأكثر شعبية لعام 2015 كانت من أعضاء فرقة الرجال البريطانية، «وان دايركشن». التغريدة الخامسة كانت من أوباما، الذي احتفل بحكم المحكمة العليا لإضفاء الشرعية على زواج المثليين. عينة من «ما هو رائج» على فيسبوك يوفر «مناظر أفلام مضللة» وصورة للفتاة المتحولة جنسيا، كوري مايسون، مع تعليق: «بموجب القوانين الجديدة، ستكون هذه الفتاة مضطرة لاستخدام غرفة الرجال».
الموضوع الإخباري الأكثر بحثا على جوجل لعام 2015 كان الإرهاب في باريس، لكن قلة من الأحداث السياسة الأخرى أثارت الكثير من الاهتمام. أزمة المهاجرين، والاتفاق النووي مع إيران، والأزمة الاقتصادية اليونانية، وتراجع سوق الأسهم الصينية، وفضيحة «فولكسفاجن» معا أثارت أقل من نصف عمليات البحث بقدر تلك التي أثارتها بطولة كأس العالم للرجبي.
المزاج السياسي المهيمن في الغرب هو «الأمور جيدة في الواقع، وإن كنت لا أكترث كثيرا بذلك». لكن هذه ليست رسالة يقصد منها أن تكون أهم نبأ على التلفزيون.
الشعبويون الغاضبون يستحقون أن نستمع إليهم. لكن لا يجدر بهم التظاهر بأنهم هم «كل الناس» أو أنهم حتى يشكلون الأغلبية.

التعليقات معطلة