علي حسن الفواز
ما بين السياسة والاقتصاد علاقة ملتبسة رغم واقعيتها ولزوميتها، وخطورة هذه العلاقة تكمن في طبيعة ما تثيره من صراعات وأزمات، والتي تنعكس سلبا على معطيات الاقتصاد والسياسة معا. أهم مظهر من مظاهر هذه الخطورة يرتبط بفعالية التوظيف، ووضع الخطاب السياسي في سياق مفتعل للاشكاليات الاقتصادية، مثلما تتبدى ذات الأزمة حين يكون الخطاب الاقتصادي المشوه وسط صراعات سياسية تُفقده أهميته، وربما تجعله مصدرا لانتاج المزيد من الأزمات العميقة.
النفط بوصفه مجالا مركزيا للاقتصاد تحول الى مصدر مرعب للأزمة حين جرّته الإرادت السياسية الى صراعاتها وحساباتها، فانخفاض أسعار النفط غير الواقعية مسألة سياسية بامتياز، وجزء من لعبة تتحكم بها صراعات دولية، ومن معطيات علاقات مضطربة بين المصالح.. واليوم حين أدركت ذات الارادات فشل هذا التوظيف حاولت العمل على تشكيل ترتيبات سياسية جديدة تُعطي للاقتصاد النفطي هامشا من المناورة، وتسعى لإعادة ترتيب ملفاته على مستوى التحكم بالإنتاج والأسعار.
في الاسبوع الماضي قرأت تصريحا للخبير النفطي العراقي حمزة الجواهري، يقول فيه: (إن اسعار النفط في الايام المقبلة سترتفع نتيجة تراجع انتاج النفط الصخري وفقدان دول الخليج للقدرة على اغراق السوق النفطية بعد موت آباره) هذا التصريح يؤكد طبيعة التوظيف السياسي وخطورته للأزمة، والتي حاولت من خلالها الولايات المتحدة وبعض دول الأوبك وعلى رأسها دول الخليج إغراق السوق بالمعروض النفطي لتخفيض الأسعار، وللإضرار المُتعمَد باقتصادات دول لها سياسات أخرى مثل روسيا وايران والعراق، ورغم أنها واجهت مأزقا خطيرا جرّاء هذا التخفيض، إلّا أنها تعمدت الإصرار عليه خدمة لحسابات سياسات محورية لها أهداف ومصالح.
وبعد أن فشلت هذه السياسات من تحقيق مآربها عاد الحديث عن واقع جديد، وعن رؤية لسوق نفطية يمكن أن تتوازن فيها الأسعار والمصالح… فالكل يعرف أن حديث النفط الصخري غير واقعي بالكامل، وأن تحوّله الى مجال استثماري ستراتيجي سيكون بعيد المنال بسبب صعوبات كبيرة انتاجية وتسويقية، كما أن إغراق السوق بطريقة مجانية للمعروض النفطي سيرتد على أصحابه، وسيكون سببا في أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية.
أزمات وأوهام
التوهم بفرض حسابات سياسية من خلال الاقتصاد كثيرا ما تُفضي الى أزمات جانبية، والى معطيات من الصعب التحقق من وجودها، فما حدث قبل أيام من حرائق كبيرة في الغابات الكندية والقريبة من الحقول الصخرية أفشل الى حدٍ كبير من عمليات الاستثمار في هذا المجال، ووضع الشركات التي كانت تراهن على ذلك خارج الحسابات، وداخل مجال العودة الى الاستثمارات النفطية الطبيعية، وبالتالي أفقد هذا الأمر رهانا سياسيا كانت الغاية منه البحث عن البدائل، والعمل على الإضرار بمصالح دول معينة.
ولعل ما يحدث الآن داخل منظمة الأوبك من تجاذبات حول تخفيض سقف الانتاج يعكس مدى خطورة المأزق السياسي التي تعيشه الكثير من دولها، والذي تبدت بعض مظاهره داخل أروقة الدولة الأكثر إنتاجا في منظمة الأوبك وهي السعودية، إذ وجدت الحكومة السعودية نفسها أمام اعادة النظر بالسياسة النفطية والعمل على دمج ثلاث وزارات في وزارة واحدة باسم وزارة الطاقة وإقالة وزير النفط، وهذا بطبيعة الحال يعكس واقعا جديدا، ورؤية أخرى لطبيعة الأخطار التي حدثت جرّاء السياسات غير المتوازنة في مجال الاقتصادات النفطية.. كما أن المعطيات الاقتصادية التي انعكست أزماتها عبر مظاهر العجز في الموازنات الوطنية ترتبط بتلك الأوهام السياسية، وبما كانت تُعول عليه دول معينة من منطلق سياسة فرض الأمر الواقع، لا سيما في المجال النفطي الذي يشكّل في بعض الدول الريع الأول لاقتصاداتها، وهو ما تجلت بعض مظاهره على الواقع الاجتماعي وعلى الخضوع لسياسات تقشف واستدانات من البنوك الدولية أو فرض التعامل بسياسات السندات المالية. أوهام النفط في منطقتنا العربية هي أوهام سياسية.
وأن رهانات البعض على تضخيمها والتهويل منها سيضع المنطقة التي تعاني أساسا من أزمات عميقة أمام مشكلات خطيرة أبرزها تفاقم الصراعات الأهلية في المنطقة، وإعطاء الضوء الأخضر لتدخلات دولية في شؤونها، وهذا المعطى لم يجد عند الكثير من حكومات دول المنطقة نظرة واقعية، لأن عقدها السياسية وأوهامها لم تزل تفرض مهيمناتها وسياقاتها، وبما يجعل أفقها السياسي أكثر عتمة ومحدودية، حتى وأن راهنت على حسابات وخطط لا تجد لها في الواقع سياقا قابلا للتنفيذ، لأن طبيعة مرجعياتها السياسية والاقتصادية وحتى الفكرية محكومة بإرادات تصر على تسويق الكثير من الفشل، ومنها أوهام بوصفها خرائط سحرية لطرق النفط وحروب النفط.