بغداد / المستقبل العراقي
في 15 دقيقة، أبرم ياسر (اسم مستعار) أسوأ صفقة في حياته. فبعدما هرب ابن التاسعة والعشرين من عمره من القتال في مدينة حلب السورية، شقّ طرقه نحو القاهرة بحثاً عن الأمن والرزق الحلال. لكنّه، كمن سبقوه من اللاجئين السوريين، فشل في الحصول على عمل في ظل أوضاع معيشية صعبة، فقرّر بيع كليته اليسرى. التقى ياسر «سمسار الأعضاء» وعقد الصفقة خلال ربع ساعة وبمبلغ ثلاثة آلاف دولار. وبعد عملية التبرّع، سافر بعدها إلى اسطنبول حيث يعيش حالياً في غرفة مكتظة ويعمل في ورشة لتصليح السيارات. وتركت العملية الجراحية ندوباً على جسد ياسر ونفسيته. ياسر لن يُسامح نفسه على فعلته بعدما تبيّن أيضاً أن كليته اليمنى «غير سليمة» ويتوجّب عليه الانتباه وإلا «سيموت». لا إحصائيات دقيقة وموثوق بها حول انتشار ظاهرة بيع أعضاء اللاجئين السوريين، إلا أن رئيس قسم الطب الشرعي في جامعة دمشق ورئيس «الهيئة العامة للطب الشرعي» الدكتور حسين نوفل يُشير، في تحقيق استقصائي نشره موقع «نيوز ديبلي» بالتعاون مع جمعية «إنترناشونال ميديا سبّورت»، إلى أن «حوالي 18 ألف سوري باعوا أعضاءهم في السنوات الأربعة الأخيرة ليتمكّنوا من تأمين أبسط مقوّمات العيش في مخيمات اللجوء في تركيا ولبنان وغيرها من الدول المجاورة لسوريا». وكان نوفل أفاد، بتحوّل سوريا إلى بلد «يحتل موقعاً مهماً في مجال تصدير الأعضاء البشرية إلى الغرب». ووفقاً للتحقيق، لا تقتصر تجارة الأعضاء على الكلى بل تشمل الطحال والقرنيات التي بلغ سعر القرنية الواحدة في بعض المرات 7500 دولار. وأوضح نوفل أن سعر الأعضاء يختلف من بلد إلى آخر، ففي حين يبلغ سعر الكلية الواحدة 10 آلاف دولار أميركي في تركيا، لا يتعدّى سعرها في العراق ألف دولار أميركي، وثلاثة آلاف دولار في لبنان وسوريا. ويجري استمالة السوريين الذين يرزحون تحت القصف أو في مخيمات اللجوء عبر إعلانات تحت غطاء «التبرّع بالأعضاء»، إذ أن معظم القوانين وخصوصاً داخل الأراضي السورية تشرّع هذا النوع من التبرّع، وبالتالي لا يُمكن ملاحقتهم قانونياً. وشهدت المحاكم السورية رفع 20 دعوى مرتبطة بالاتجار بالأعضاء في الفترة الممتدة بين آذار 2011 وأيلول 2015. وقدّر المحامي العامّ الأول في دمشق أحمد السيد وجود حوالي 20 ألف حالة اتجار «غير شرعي» بالأعضاء داخل الأراضي السورية وتحديداً في المناطق التي فقد فيها النظام السيطرة كحلب وإدلب. وأوضح مصدر في وزارة العدل السورية، رفض الكشف عن اسمه، أن قوات الأمن السورية «لا تملك الإمكانات لمتابعة الملفّات والتأكد من أن المتبرّع لا يبيع أعضائه». ورفعت عائلات ضحايا قضوا بسبب هذه العمليات، دعاوى ضدّ أطباء ومستشفيات على الرغم من أن محاكمة هؤلاء في ظل الأوضاع الراهنة «شبه مستحيلة». وذكر أحد الأطباء الذي رفض الكشف عن هويته ولكنّه كنّى نفسه بـ»محمد أورام» نسبة إلى اختصاصه، أن بعض الأطباء يُحاولون إقناع زملائهم بالتورّط في مثل هذه العمليات عبر ترغيبهم بأنه يُمكن شراء أدوية ومعدّات ضرورية تُنقذ حياة الكثيرين ممن هم بحاجة. وقال الدكتور «أورام» إن أحد أطباء الجلد عرض عليه بيع أعضاء أشخاص موالين للنظام السوري مسجونين لدى تنظيم «داعش» في إدلب بحجة « أنهم سيُعدمون في جميع الأحوال». وأشار طبيب الجلد إلى وجود «عدد كبير من المشترين المستعدين لدفع مبالغ من المال يُمكن الاستفادة منها لشراء معدّات طبية وأدوية ضرورية لمساعدة المجموعات المسلّحة». وبرفضه المشاركة في هذه الشبكة، اتّهم تنظيم «داعش» الدكتور «أورام» بالعمل لصالح النظام السوري وحاول اغتياله مرّات عدة، ما اضطره إلى الهرب نحو حلب التي وقعت تحت سيطرة «داعش» أيضاً. وقال: « في حلب أيضاً، غالباً ما تجد جثثاً في الشوارع انتُزعت منها أعضاء معينة كالكبد والكلية اليسرى». وقد وثّق «المركز الاستشاري للدراسات وحقوق الانسان» عشرات حالات الاتجار بالأعضاء داخل سوريا وخارجها. وألقى مدير المركز مرهف المعلّم اللوم على الدول المجاورة لسوريا التي «يُفترض بها تقديم الحماية والرعاية للاجئين على أراضيها، وتؤمن لهم فرص عمل تقيهم الفقر الذي يدفع الكثير منهم إلى بيع أعضائه من أجل تأمين المأوى أو الطعام لعائلته، وتجعلهم ضحية سهلة لمافيات الاتجار بالأعضاء البشرية».

