علي حسن الفواز
تأخذ معركة تحرير الفلوجة مساراً استثنائيا، فهي تتجاوز البعد العسكري لتكون الأكثر تمثلا لأبعادٍ انسانية وأخلاقية ووطنية، وبقدر ما في هذه المعركة من معانٍ، فإن خصوصيتها الجامعة تضع في سياق تحريرها تحرير فكرة الدولة من مهيمنات الارهاب والعنف والأوهام التي تحصّن بها الكثيرون.
من هنا تكتسب المعركة بعدها الوطني العابر للجدل، والصانع لوعدٍ جديد قد يضع مفهوم التحرير في سياق تدول عقلاني لإعادة اللحمة العراقية، وعدم التفريط بالمكان الوطني، أو منعه من أن يكون خارج أطر التعايش والتشارك، فالإرهاب حاول من خلال تقطيع المكان العراقي فرض أجندة سياسية واجتماعية وأمنية، وجرّ المكونات العراقية الى صراعٍ من الصعب السيطرة على تداعياته.
معركة التحرير بهذا المعنى تُعطي حافزا للمؤسسة العراقية لأن تكون بمستوى المسؤولية، وبمستوى استحقاقات تاريخٍ يعيشه عراق ما بعد الاستبداد، لأن كسر شوكة الإرهاب ورمزيته وحصونه يعني الانطلاق نحو ترميم المشهد الوطني، ولإعادة الثقة بالروح العراقية، وبقدرة مؤسستها العسكرية والأمنية وحشدها الشعبي على مواجهة تحديات تخريب الدولة والمجتمع، وعلى محاولات قطع الطريق لعودة الاستبداد بوجوهه التكفيرية والعصابية.
احتلال الفلوجة منذ عامين ونصف تقريبا كان رهاناً مقصودا على خراب المكان الوطني، مثلما كان محاولة لتجزئة هذا المكان على أسس طائفية، وربما لوضعه كمجالٍ جاذب لكل قوى الإرهاب والعنف والتكفير في المنطقة، للتمدد، ولتهديد المصالح الاقليمية والدولية، لاسيما وأنها وجدت لها حواضن وبيئات طائفية وحتى سياسية وتمويلية، فضلا عن طبيعة الدعم والحماية التي تحظى بها من دولٍ بعينها، والتي منعت أية محاولة سابقة لتحرير المدينة، وتحت ذرائع شتى، حتى بات البعض يرى وكأن (الفلوجة المحتلة) هي ورقة دولية لتهديد المجتمع السياسي العراقي، ولمحاولة فرض شروط والتزامات تحد من ترسيخ أي توجه سيادي، أو شرعنة بناء دولة عراقية قوية.
تحرير المكان.. تحرير الموقف
طبيعة القوى التي شاركت في معركة تحرير الفلوجة أعطت حافزا للجمع الوطني العراقي، فأبناء المدينة يشاركون الجيش والشرطة الاتحادية مع العديد من فصائل الحشد الشعبي، وهذا بطبيعة الحال هو الأكثر تعبيرا عن وجود إرادة وطنية جامعة من جانب، وعلى ضرورة أن تكون هذه المعركة فرصة دولية لدعم العملية السياسية العراقية التي تعاني من مشكلات معقدة.
ومن هنا يمثل هذا التحرير الوطني تحريرا عميقا للموقف السياسي والاجتماعي، وبما يعزز مساراته الواقعية، والتي يمكن أن تكون فاتحا لمديات جديدة تجمع العراقيين على المشترك، وعلى بناء دولتهم، وعلى الحوار حول المشكلات التي ظلت مصدر قلق وريبة في الاجتماع الوطني.
تحرير الموقف يتطلب – أيضا – تحريرا لمصادر بناء هذا الموقف على مستوى القيمة السياسية للرمزية الوطنية، وعلى المستوى الستراتيجي، إذ ظلت تمثل الفلوجة المُغتصبة جرحا نرجسيا عميقا في الجسد العراقي، وثغرة أمنية  تتسلل من خلالها الكثير من السياسات الشوهاء الدافعة للفِرقة الوطنية، وللعُصابيات الطائفية التي تجدُ من يُغذّيها اقليميا ودوليا.. كما أن تحرير مدينة الفلوجة سيكون في هذا السياق مصدرا للحديث عن مشروعية حقيقية للدولة والسيادة والتعاقد الاجتماعي والشراكة، إذ ستكون عودة المدينة الى حاضنتها الطبيعية أفقاً يتسع للحوار حول أهمية الإندماج والمشاركة الوطنية، وفي بناء المدن العراقية على أساس حضاري وليس جماعاتي، وبما يعزز القيمة الثقافية للمكان والمجتمع الوطني المتنوع والمتعدد فيه، فما كان يحدث في الفلوجة هو تكريس لنوع من الأثرة الطائفية التكفيرية، والخروج عن الجمع الوطني، وفرض هوية مصطنعة لها وتحت مسميات الجهاد والأصول وغيرها.
اللحظة الوطنية الحاسمة
لقد أدرك المجتمع الدولي أن بقاء مدينة بحجم الفلوجة، وبطبيعتها الرمزية سيكون مصدر تهديد للعملية السياسية العراقية، وتعويقا لأية عملية إصلاح  قد تطال مؤسساتها واجراءاتها وآليات عملها، كما أن المجتمع السياسي العراقي – بقطع النظر عن المزايدين والطائفيين – قد وجد في تحرير الفلوجة لحظة وطنية حاسمة لإمكانية استعادة قوة الدولة وهيبتها وقوة مؤسستها العسكرية، ولتأكيد مشروعية وجودها وتجاوزها للكثير من العقد والصراعات والفشل في الأداء وفي مواجهة الفساد وتعميق المسار الديمقراطي الجامع للعملية السياسية.
اللحظة الحاسمة ليست لحظة قدرية، بل هي حالة خيار جامع، ومسؤولية تعني تجاوز حالة القلق من خطورة الإقدام عليها، والركون لتهديدات البعض ممن يضع أمام خيار التحرير العديد من العقبات، ومن أبرزها المعطى الطائفي، ومشكلة أن يشارك الحشد الشعبي فيها، والتلويح بورقة المدنيين في المدينة، فضلا عن الصعوبات اللوجستية الأخرى، وهذا ما أعطي لعملية تحرير الفلوجة قوة اخلاقية ورهانا على أن تكون هذه اللحظة هي موقف وطني جامع، ولا مجال للتراجع عنه، أو التغافل عنها، وإذا كانت بعض الدول الكبرى تنظر الى مدينة الفلوجة من منطلق حساباتها الخاصة، فإن خيار الارادة الوطنية سيكون هو الحاسم والفاعل في تحقيق النصر، وهذا ما يمكن أن يضع العديد من دول العالم أمام مسؤولياتها الكبرى، لأن استمرار اغتصاب الفلوجة يعني استمرارا بالخراب والتخريب، وتعطيلا في ارادة الجهد الوطني وسعيه لاستعادة الدولة العراقية، الدولة التي يريدها الجميع، ويتوق الى تأصيل قيمها ووجودها الجميع.  

التعليقات معطلة