علي حسن الفواز
 ليس غريبا أن تمارس بعض وسائل الإعلام العربي وظيفة التشهير، والعمل على ترويج خطاب الشائعة حول ما يجري على (جبهة الفلوجة). عدم الغرابة ينطلق من طبيعة هذه الجبهة، ومن تأثير معطياتها العسكرية والرمزية على مستوى هوية الصراع الطائفي الذي يصطنع البعض صورته الايهامية، وعلى مستوى الخبرة والفاعلية التي بدأت تكتسبها قواتنا المسلحة الجديدة، فضلا عن التأثير اللوجستي الذي فرض وجوده الحشد الشعبي على معطيات الصراع، وعلى تفكيك هذه الجبهة الرمزية والطائفية.
لقد بات الصراع داخل الحالة العراقية مكشوفا، وأن أية قراءة تتجاوز حيثيات هذا الصراع ستقع في الوهم، حتى أنّ مايسمى بـ(المجتمع الدولي) أدرك خطورة العبث بتوصيف هذا الصراع، أو تغيير معادلاته السوقية أو السياسية، فما يجري على الأرض هو غير ما تحاول وسائل الإعلام أن تُروّج له، أو أنْ تضعه في السياق الطائفي المجرد، حدّ أنّ أحد الصحفيين العرب كتب قبل أيام عن وقائع يربط فيها بين أحداث منبج والرقة السوريتين وأحداث الفلوجة العراقية، مُدّعيا أنّ هذه الحروب (طائفية) وأنّها تُهدد طائفة معينة، متناسيا الطبيعة الإرهابية والتكفيرية للجماعات التي تُمثّل الطرف الأساس فيها.
هذا الفهم، وبهذه الطريقة المكشوفة يعني الإفصاح عن مواقف مفارقة ومشوهة، وعن حيازة مؤشرات تعكس خطورة الوعي النكوصي بما يجري، وما يمكن أن يُفكّر به الآخرون، والذين لم يهضموا بعد طبيعة التغير الحادثة في معادلات الجغرافيا السياسية، والتي لم تعد كما ألِفوا أوهامها، وغاب عنهم أنّ ثمة قوى جديدة بدأ يبرز نجمها، وأنّ مزاجا دوليا، أو حسابات دولية أخذت تتعاطى مع حقائق ومصالح ومعطيات جديدة.
الحالة العراقية – وفي هذا السياق- ليست حالة خاصة كما يتوهم البعض، أو أن يحاولوا أن يصطنعوا لها توصيفات غير واقعية.
الحالة العراقية جزء من تاريخ صراعي عميق لم يُقرأ بشكل مهني وموضوعي، وأن الظاهرة الطائفية فيه هي واحدة من تمظهراته التي أنتجتها طبائع الاستبداد في التاريخ السياسي للسلطة والجماعات.
اليوم يسعى ذلك البعض نفسه الى تأطير الوقائع العراقية بتوصيف طائفي عصابي، وتجريدها من محنة تاريخها، ومن سياق الصراعات التي فرضت وجودها وموجهاتها في منطقة مأزومة أصلا، بسبب طبيعة طائفية السلطة فيها، وكذلك بسبب وجودها في جغرافيا ستراتيجية معقدة لها علاقة بالمصالح الدولية، وبنقاط التحكّم بما يسمى بـ (الأمن الاقليمي) وهذا ما يجعلها خاضعة الى حسابات السيطرة والرقابة الاميركوغربية، والتي تنظر الى المنظومة الايديولوجية والطائفية كما تنظر الى المنظومة الامنية.
خطورة الترويج لأوهام الحالة العراقية تنطلق من وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، إذ أنّ خلف ذلك – حتما- مؤسسات ومراكز بحوث، ومرجعيات مخابراتية لها حسابات وحساسيات في تداول مفاهيم السيطرة والرقابة واخضاع قوى المعارضات الاخرى.. وحتى العامل الايراني في هذا الصراع والذي كثيرا ما يضخمه العديد من السياسيين والمثقفين، لا يختلف عن العامل الاميركي والعامل السعودي، فكلها عوامل وموجودات لها مصالح تخص أمنها الاقليمي والقومي. لذا تتبدى الوقائع وكأنها ستأخذ المنطقة الى صراع مفتوح، أو أن هناك من يفترض لها توصيفات قاطعة، وتحت يافطات طائفية، أو أوهام تهدد مرجعيات الأصوليات الإسلاموية في صراعاتها العائمة بين العقل والنقل.
إنّ فاعلية القراءة تقتضي وعيا أخلاقيا، وفهما تاريخيا، وعقلانية نقدية، وبما يجعلها تُراعي مصالح الناس، وقيم الحضارة والحداثة والحريات والحقوق، إذ أنّ هذه المصالح ستكون مُهددة في الحروب، وستفقد السياسة برغماتيتها لتتحول الى دوغمائيات تتضخم فيها مظاهر التطرف والتكفير والعنف والكراهية، وستفقد قيم الحوار والتسامح الاسلامي والإصلاح والتنوير جدواها وأهميتها.ولعل احد أهم تجليات هذه الفاعلية يكمن في ضرورة قراءة الحالة العراقية بعيدا عن الوهم الطائفي وحساسيته، لأنّ الهويات الطائفية موجودة أصلا في البيئة المجتمعية، لكن مصالح السياسة هي التي تفرض عليها الانخراط في الصراع الأهلي.

التعليقات معطلة