من شفاهيات المقاهي الشعبية، ننقل لكم هذه الطرفة.  قال الأول للثاني: الدنيا ليست بخير يا صديقي، ألا ترى إن نسبة المسلمين تشكل حوالي 23% من مجمل نفوس العالم، بمعنى إن 77% من الجنس البشري على الكفر والإلحاد والضلال، وفي طريقهم إلى جهنم، فرد عليه زميله منفعلاً: حتى الذين نعدهم من المسلمين يعيشون على القشور، ولا يفهمون الإسلام على حقيقته إلا فئة قليلة من العرب، فقد تفشت الخرافات والبدع خارج الأرض العربية، فأصبح الأفغان والهنود والأتراك مسلمين بالاسم فقط. عندئذ استدرك المتعصب الأول، فقال لزميله: المثير للدهشة إن المدن العربية لم تسلم هي الأخرى من زوابع الشرك والضلال، ولم يبق إلا أهل هذه القرية الفاضلة، التي نعيش في ربوعها الآن.
بعد تأمل سريع، قال الثاني: لقد بحثت في أمر قريتنا فوجدت معظم شبابها يؤمنون بأفكار الغرب الفاجر، ومنهم من صار فريسة لسموم أفلامهم المتهتكة وإغراءاتهم المتلاحقة، ولم يبق منهم إلا الذين نلتقيهم في مسجد القرية، فضحك الثاني متهكماً: أتقصد جماعتنا في المسجد؟ قال: نعم، قال: ألا ترى إن معظمهم لا يؤدون صلاة الفجر في أوقاتها. 
لا أحد يلتزم بأدائها يا صديق إلا أنا وأنت، فهؤلاء خدعهم الشيطان، وانتزع من قلوبهم الثبات على الإيمان، عندئذ انتفض الأول غاضباً، وقال له: ولكنك اليوم لم تحضر صلاة الفجر في موعدها، ولم تكن حاضراً يوم أمس. ثم غادر مكانه مهرولاً، من دون أن يودع صديقه، وربما كان يكلم نفسه، فيقول: لم يبق على جادة الصواب إلا أنا، ولا أحد غيري. 
لا ريب إن الفكر المفخخ يقود صاحبه تدريجيا نحو تعميق خنادق الحقد والكراهية مع الناس، أنه آفة كاسحة مدمرة، متخصصة بالقضاء على الآخر، وخير مثال على ذلك التجربة الأفغانية، فما أن انتهى قادة المجاميع القتالية من قتال السوفييت، حتى توجهت فوهات بنادقهم نحو تمزيق تنظيماتهم السرية من الداخل، وانشغلوا بتفعيل برامج التصفيات الجسدية، وصار أصدقاء الأمس أعداء اليوم، فتساقطوا الواحد تلو الآخر، حتى خلت الساحة تماماً لطالبان والقاعدة، ثم بدأت مرحلة شرسة من الصراع بين الأخوة الأعداء، انتهت بانتصار صالبان، التي باشرت هي الأخرى بمرحلة جديدة من التصفيات الجسدية الداخلية بذريعة التخلص من القيادات الفاسدة، وراحت تحرث الأرض، وتتوسع في زراعة حقول الأفيون والهيرويين، لتتلطخ من جديد بأوحال تجارة المخدرات.
فالفكر المنغلق، وأحكامه التكفيرية المتشددة، هي التي عطلت عقول الفئات المتطرفة، وهي التي حرمتهم من نعمة البصر والبصيرة، فأصبحوا غير قادرين على رؤية الآخر، بسبب حالة التنافر التي يعيشونها، ويمارسونها ضد أنفسهم، وضد التجمعات البشرية على اختلاف ألوانها وأطيافها، فتراهم يتحصنون بالدروع البشرية، ويفجرون عامة الناس في الأسواق والساحات، ويقتلون الأبرياء على الهوية، ويتفننون في صناعة الموت، حتى باتت هذه الممارسات الإجرامية هي الملامح المشتركة في سلوكهم المشين، وهي الأدوات التي ستضمن زوالهم وانتهاء أمرهم، فالبقاء دائما للأصلح.  وهذه سنة الحياة، لو عدنا لحكايتنا التي رويناها في مقدمة المقالة، لوجدناها تؤكد تشرذم هؤلاء، وتعكس سعيهم الدائم نحو الفناء الذاتي.

التعليقات معطلة