عمران العبيدي
بين مدة واخرى ومرحلة ومرحلة ومع اي حدث يهز الشارع الاميركي تنطلق مجموعة تصريحات سياسية اميركية من شخصيات مختلفة تبدو وكأنها ردة فعل ازاء ذلك الحدث او انها تشكل متغيرا في توجهات ومسار السياسة الاميركية في منطقة الشرق الاوسط، وعلى ضوء تلك التصريحات يتصور البعض انها ادراك جديد لم يكن الساسة الاميركان على علم به وانها مرحلة جديدة يمكن ان تقلب موازين الاحداث لصالح المنطقة. بعد الأعمال الارهابية الاخيرة في اميركا والتي عدها البعض هي الاعنف بعد احداث برجي التجارة العالمي ادلت مرشحة الرئاسة الاميركية هيلاري كلنتون ببعض التصريحات ضد بعض دول الخليح (السعودية وقطر والكويت) تحملهم فيها تبعات النهج السياسي الداعم لقوى التطرف من “داعش” واذنابها، وهذا التصريح عده البعض صحوة اميركية ووعيا اميركيا جديدا لم تكن اميركا قد اكتشفته سابقا ومن الممكن ان يكون هذا بداية لمرحلة جديدة في الشرق الاوسط، ولكن الحقيقة غير ذلك تماما فالسياسة الاميركية تبنى على اساس ستراتيجي بعيد المدى وتكتيكي قصير المدى يبعث بعض الاشارات والشيفرات هنا وهناك تتعلق بقضايا انتخابية او قول شيء لا بد من قوله للشعب الاميركي ازاء الحدث خصوصا ذلك الذي يتعلق بما يسمى الامن القومي الاميركي. من السذاجة الاعتقاد ان اميركا لا تعرف منابع الارهاب سواء كانت على مستوى التغذية الفكرية او المادية ومن الصعب التصديق ان اميركا لا تعرف الدور السعودي او القطري او حتى التركي وكيف ان هذه الدول تخوض حربا طائفية في المنطقة وان تحرير الشعوب من الدكتاتوريات ليست سوى اكذوبة وان انظمة مثل السعودية وقطر هي آخر من يتحدث عن الحريات والديمقراطيات.
ومن هذا المنطلق فإن ما يأتي من تصريحات بعد كل حدث يمس الولايات المتحدة مباشرة وفي عمق دارها فإنه لا يتعدى مرحلة تكتيكية قد تفرضها الحملات الانتخابية او مواقف تبين للمجتمع الاميركي ما يمكن ان تقوم به اميركا ازاء من يعتدي على شعوبها، اما الستراتيجية الاميركية ازاء الشرق الاوسط او العالم فهي تسير بمسار تخططه الدوائر الاميركية لتحافظ على وجودها وهيمنتها على هذا المكان او ذاك وبما يضمن لها مصالها.منذ عقود وسياسة اميركا في الشرق الاوسط هي تغذية الازمات ولكل مرحلة تكتيكها وادواتها المحلية وساستها، فكانت حرب الخليج الاولى بين العراق وايران جزءا من مرحلة امتدت لما يقرب من عقد كامل استثمرت فيها رعونة صدام حسين فكان الصمت الاميركي ازاء كل انتهاكات هذا النظام ضد شعب اعزل من اجل تنفيذ مرحلة مهمة من انهاك المنطقة واشغالها واشعالها بالمشاكل والحروب وتوالت الاحداث بالسياق ذاته لعقد آخر من احتلال صدام للكويت والحصار لتخرج لنا اميركا بمقولة تهديد صدام للسلم العالمي والسلم في المنطقة وكأنها اكتشفت وبشكل مفاجئ شيئا كان مستترا. اليوم اميركا تستخدم ادوات اخرى من دول الخليج لتلعب دورا جديدا في المنطقة رغم ان اميركا تتعرض لبعض الصدمات من هذه الادوات وتوابعها لكنها تتقبلها وتتعداها في تكتيك مرحلي بينما ستراتيجيا فإن اميركا بعد ان تنهك هذه الادوات بالحروب سوف تعيد الاشياء بشكل مقارب لما حدث مع صدام، فهي الآن تجمع ملفات الادانة الكاملة على هذه الدول وتعطي اشارات هنا وهناك عن افعالها وتطلق التحذيرات ولكنها بالوقت ذاته لا تفعل شيئا حقيقا إلا حين تستنفد غاياتها تماما من هذه الادوات، بينما غباء هذه الادوات التي تتحرك وفقا لرؤيتها الطائفية تتوقع ان اميركا ستبقى سندا لها الى امد بعيد وفقا لمبدأ المصالح متناسية ان لهذه المصالح توقيتات يمكن ان تنتهي، ولم يتعلم هؤلاء من تجربة الشاه الصديق الحميم لاميركا او تجربة صدام الذي دعمته اميركا وجعلته يتمادى كثيرا حتى اقتضت المرحلة ازاحته تماما بعد ان استجمعت جميع الملفات التي تقنع بها المجتمع الدولي والمحلي.من هذا يمكن ان نعرف ان التصريحات الاخيرة لساسة اميركا هي مرحلة تكتيك فأميركا ليست بحاجة الى بعض الاعمال الارهابية لتعرف ان منبع الارهاب هو السعودية سواء كان فكريا او ماليا، فالمال السعودي والقطري جرار للتنظيمات الارهابية التي صنعت تحت انظار اميركا، وحجة دعم المقاومة في سوريا اكذوبة صدقها السذج فنتج عنها النصرة وداعش واذنابهما، فأميركا بعد ان تنهي هذه المرحلة ستعود لمحاسبة ادواتها بسيناريو مشابه او قريب الشبة لازاحة صدام، فأميركا مستعدة للتخلي عن ادواتها حينما تكون خارج الصلاحية. الغباء الخليجي الآن مشابه لغباء صدام في التصورات والادراك لذلك تأخذهم الحماسة في خوض الحروب من اليمن الى العراق وسوريا ولبنان متعكزين على اقتصاديات من الخطأ الاعتقاد انها لن تنهار في لحظة ما وعند ذلك تنقلب الموازين لرسم خارطة اخرى تناسب المرحلة للشرق الاوسط.لذلك لا بد من معرفة ان التصريحات الاخيرة لساسىة اميركا ليست صحوة بل هي تكتيك مرحلي ضمن ستراتيجة طويلة المدى، فاذا كان ابسط الناس يدرك ان السعودية وقطر هما منبع الارهاب العالمي اليوم فكيف لاميركا ان تجهل ذلك؟!.