سلام مكي
اعادت الورقة التي وجهها محافظ بابل للسيد رئيس الوزراء حول نقل الصلاحيات الى المحافظات الجدل حول امكانية نقل صلاحيات المركز الى المحافظات ومدى امكانية تحقق هذا الأمر في ظل الظروف الحالية التي يعيشها البلد. ان هذه المسألة لم تشغل حيزا مهما في اروقة السياسة العراقية في الوقت الحاضر، لكن الحديث المتكرر من قبل بعض المحافظين ومطالبتهم بنقل صلاحية الوزارات اليهم، يستدعي الوقوف عندها، وقراءتها قراءة قانونية واقعية.
ان هذا المبدأ جاء في المادة 45 من القانون 21 لسنة 2008 المعدل بالقانون رقم 19 لسنة2013 والتي نصت: «نقل الدوائر الفرعية والاجهزة والوظائف والخدمات والاختصاصات التي تمارسها وزارات البلديات والاشغال العامة والاعمار والاسكان، والعمل والشؤون الاجتماعية والتربية والصحة والمالية والزراعة والرياضة الشباب. مع اعتماداتها المخصصة لها بالموازنة العامة للموظفين والعاملين فيها… ويبقى دور الوزرات في التخطيط للسياسة العامة». هذه المادة زرعت مشكلة قانونية وادارية، نحن في غنى عنها في الوقت الحاضر، اذ انها لم تضع اية خطوط او اسس يمكن من خلالها الركون الى كيفية نقل الصلاحيات وما هي الغاية منها، وهل هي لمصلحة المحافظات؟ ام لمصلحة المحافظين؟.
لقد جاء في نص الورقة التي قدمها محافظ بابل ما يلي: «ان موضوع نقل الصلاحيات من الوزرات الى المحافظات اخذ وقتا كثيرا ولم تستفد المحافظات من هذه الخطوة الكبيرة التي لو تم تطبيقها بشكل صحيح لكانت المحافظات افضل حالا من واقعها الحالي». وهنا نقول بأنه قبل تشريع هذا القانون، كانت هناك تجربة مع صلاحيات المحافظات، خصوصا تلك التي تتعلق بإقالة المسؤولين المحليين، فالمحافظة تقيل مسؤولا مرتبطا بمرجع اداري في المركز، وهذا المرجع بدوره يرفض قرار الاقالة ويتمسك بالموظف او يقول ان الاقالة من صلاحياته حصرا ولا يمكن لأية جهة محاسبة موظفيه. ومجلس المحافظة يصر على الاقالة والطرف الآخر يصر على الرفض، فتحدث مشكلة قانونية لا تحل الا عبر القضاء الذي يأخذ وقتا طويلا، تكون دائرة المقال من خلالها تعطلت اعمالها ولم تعد تقدم الخدمات للمواطنين كما في السابق.
اليوم نجد الأمر نفسه، فالمحافظون يشكون من عدم موافقة الوزارات على منح صلاحياتها للمحافظات لأسباب كثيرة تتعلق بكفاءة وقدرة المسؤولين المحليين على تولي شؤون دوائر مهمة كدوائر وزارة المالية التي تعتبر من اهم الدوائر الاتحادية التي لا يمكن للحكومة المركزية تفكيك دوائرها او سلبها صلاحياتها والابقاء على بضعة موظفين لا عمل لهم سوى التخطيط للسياسة العامة! وحتى هذا الحق ربما لا يفهمه الكثيرون فيسلبون الوزارات حتى حقها في التخطيط ويديرون الوزارات بالكامل.
وزارة المالية مثلا، هي التي تقوم بتخطيط السياسة المالية للدولة وتعتمد على كل دوائرها في تمويل الموازنة واحتساب الايرادات المتحصلة. بالنسبة للمادة 45 فهي تنص: «مع اعتماداتها المخصصة لها بالموازنة العامة» طيب: والايرادات اين تذهب؟ الى المحافظات نفسها؟ ام الى الوزارات؟ وهناك جوانب كثيرة يجب ان يتطرق لها النص القانوني يمكن ان تحدث مشاكل لو طبق نقل الصلاحيات دون معالجتها تشريعيا.
ولقد جاء في الاسباب الموجبة للقانون 21 انه جاء تطبيقا للدستور الذي منح صلاحيات واسعة للمحافظات واداراتها. لكن هذه الصلاحيات لا يمكن ان تعطى لمحافظات تعاني اغلبها من مشاكل في كل القطاعات، الصحة والتعليم والامن. فهناك صلاحيات للمحافظ ومجلس المحافظة اعطاها الدستور قبل ان يتم تشريع المادة 45 لكن المحافظة فشلت في تحقيق اي من الاهداف المرسومة لها، خصوصا في مجال الأمن، والخدمات، فهي لم تتمكن من استغلال صلاحياتها الضيقة والمواطن لم يلمس منها شيئا حتى اليوم. فلا يتوقع ابدا ان الحل في الصلاحيات الواسعة، ذلك ان الصلاحيات مهما كانت واسعة او ضيقة فهي تتبع المسؤول، فاذا كان كفوءا، وقادرا على ادارة وتولي شؤون دائرته، فانه يمكنه ان يحقق الشيء الكثير بدون الحاجة الى صلاحيات واسعة. اما عن عمل اللجنة التنسيقية لنقل الصلاحيات، فيجب عليها – اضافة لعملها في حث الوزرات وتشكيل لجان فرعية لمتابعة نقل الصلاحيات في المحافظات – ان تقوم بدراسة الجدوى القانونية والادارية لهذا الإجراء وهل يمكنه ان يقدم خدمات افضل للمحافظات؟ هل يمكن للمواطن ان يلمس في الشارع الصلاحيات الواسعة للمحافظين؟ كما ان على المحافظات التي تطالب بتطبيق القانون 21 ان تقدم للرأي العام الوسائل والادوات التي تملكها في سبيل توليها مسؤوليات مضاعفة، وعليها ان تقدم خططا كفيلة تتضمن كيفية الاستعداد لتولي مسؤوليات جديدة، اضافة للمسؤوليات السابقة، وعليها كذلك ان تثبت انها نجحت في تولي مهامها الضيقة وهي على استعداد لتولي المهام الواسعة. والا فان على اللجنة ان تمتنع عن نقل الصلاحيات الى أية محافظة لا تقدم أية اسباب مقنعة.