دانيال ألين
قد نعتقد أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو قصة أوروبية، بيد أنه ليس كذلك حصراً. ومن الصعب الحصول على نظام عالمي مستقر. وقد بذلت الولايات المتحدة أكثر من نصيبها العادل لإحداث هذه الحالة من عدم الاستقرار خلال العقدين الماضيين: فكروا في الحرب على العراق، وسندات الرهن العقاري والأزمة المالية العالمية الناتجة عنها، وانخفاض مشاركة السياسة الخارجية الأميركية في الانخراط مع أوروبا، وحتى اختراع وسائل التواصل الاجتماعي. وطبعاً لا نود أن نعيد العالم إلى الوراء، فهو يتطور ويتغير باستمرار، ولكن علينا أن نفهم أيضاً كيف أسهم كل هذا في وجود عالم أكثر اضطراباً. وعلينا أن نتحمل المسؤولية.
في العراق في عام 2001، كان صدام حسين يوحي برواية خيالية عن امتلاك أسلحة دمار شامل. وكما كتب «تشارلز كروثامر» في صحيفة «واشنطن بوست» في عام 2005 أن إدارة جورج بوش حققت «إخلالاً في الاستقرار الديكتاتوري» في المنطقة. ومن هنا قال، للمفارقة، إن الديمقراطية يمكن أن تترسخ، فيما يثور الناس والفوضى في الشوارع!
وبعد أسابيع من التصويت الأول للشعب العراقي، بادر اللبنانيون بإطاحة النظام المدعوم من قبل سوريا، ومن ثم بالجيش السوري في عام 2005، وكانت هذه بداية ما اصطلح على تسميته بـ«الربيع العربي»، وهو عبارة عن موجة من الثورات التي قامت في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، والتي قوبلت في بادئ الأمر، في الغرب، بالتفاؤل، ولكنها الآن جلبت لنا، في النهاية، الحرب الأهلية في سوريا، وأزمة اللاجئين في أوروبا. وكانت بعض من أكثر الصور السياسية المتفجرة في الأخبار في بريطانيا في السنوات القليلة الماضية، هي صور مئات الآلاف من اللاجئين الذين يجازفون عبر البحر المتوسط للوصول إلى البر الأوروبي. وقد تأججت المشاعر المناهضة للمهاجرين في أوروبا، ومن بينها بريطانيا، بسبب الأزمة السورية، ويمكن تعقب جذور الأزمة السورية وصولاً إلى غزونا للعراق.
ثم كانت هناك الأزمة المالية العالمية في عام 2008. وللتأكيد، فقد ساهم المصرفيون في لندن بنصيب ملموس في حدوث طفرة في الاقتصاد العالمي مدفوعة بالتكهنات. ولكن في نهاية المطاف، كانت الزيادة الهائلة لتداول الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري مدفوعة من قبل السوق العقاري الأميركي المحموم، ما أزال الضوابط التي تحكم الإقراض.
وقد أراد بوش أن يعزز حيازة المنازل ولكنه بوجه عام انحرف عن النظام. واجتمع المقرضون عديمو الضمير، والمشترون غير الحذرين للمنازل، والمصرفيون الجشعون، ومعظمهم في الولايات المتحدة، لتوليد الظروف التي أحدثت ركوداً عالمياً. ومن بين النتائج المترتبة على هذا الكساد كانت العودة إلى سياسة التقشف في بريطانيا، في أول دفعة كبيرة لإدارة كاميرون. وقد أشار إلى احتمال تحول بريطانيا إلى يونان أخرى مثقلة بالديون، وبدأ في خفض الميزانيات وإعادة هيكلة الرعاية الاجتماعية والهجرة والتعليم والرعاية الصحية من أجل ذلك.
وازدادت جهود التقشف عمقاً وزادت من المعاناة الاقتصادية في بريطانيا. وقد أدى التهديد بالحد من المزايا والخدمات الاجتماعية إلى زيادة التوترات بشأن الهجرة من داخل وخارج الاتحاد الأوروبي على حد السواء. وملأت حملة «المغادرة» الحافلات بملصقات تحمل عبارة: «إننا نرسل 350 مليون جنيه إلى الاتحاد الأوروبي أسبوعياً، دعونا نستثمر هذه الأموال في تمويل خدمة الصحة المدنية بدلاً من ذلك».
ولم تكن سياسات عهد بوش هي السبب الوحيد هنا، بالطبع. فقد اشتملت السياسة الخارجية لإدارة أوباما أيضاً على عامل مهم هو «الاستدارة نحو آسيا»، وتركيز انتباه واهتمامات الولايات المتحدة إلى شرق آسيا بدلاً من أوروبا والشرق الأوسط. ولم تحقق الولايات المتحدة استقراراً في الشرق الأوسط، ولم تهتم كثيراً لأمر أوروبا أثناء الأزمات الأخيرة التي ألمت بها -بدءاً بالكساد في عام 2008، مروراً بأزمة الديون اليونانية، وحتى أزمة اللاجئين السوريين. وخلال أزمة الديون اليونانية، واتتني الفرصة لأسأل رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي عما إذا كانت الولايات المتحدة تحدث فارقاً في جهوده لتحقيق الاستقرار في أوروبا. ولكن سؤالي أثار دهشته ولم أجد سوى إجابة مبتسرة.وهناك أيضاً تأثير وسائل التواصل الاجتماعي. وربما يبدو إدخال تطبيق «فيسبوك» في هذا السياق خطأ، ولكن الأمر ليس كذلك. فتطبيق «فيسبوك»، وغيره من تطبيقات التواصل الاجتماعي الأخرى، غيّر الديناميات السياسية في العالم، والأهم من ذلك أنه سمح لمعارضة الأقليات داخل البلدان بأن تعبر الحدود وتحول الأصوات إلى تأثير فعلي، وأن تعمل عبر الحدود. وأحياناً يكون هذا جيداً، وفي أحيان أخرى لا يكون كذلك أيضاً.
إن الولايات المتحدة بحاجة لأن تنتبه إلى مسؤولياتها في أوروبا. وحول هذه القضية، أيضاً، يمكن أن يكون اختيارنا خلال الانتخابات الرئاسية القادمة أبلغ تأثيراً. وفي حين أن هيلاري كلينتون تتحمل مسؤولية كبيرة فيما يتعلق بالتحول نحو آسيا والإخفاق في الانتباه لأوروبا، إلا أن لديها المعرفة والخبرة لتصحيح المسار، ومساعدتنا على استعادة قدرتنا الوطنية لتعزيز الاستقرار في النظام العالمي.

التعليقات معطلة