نوزاد حسن
شعرت بالأسف لتشرشل ذلك الرجل الذي واجه هتلر وقاد بريطانيا في اصعب لحظات تاريخها.
 نعم شعرت بالأسف لأن رئيس الوزراء البريطاني كان مصابا بالكآبة التي كان يسميها «بالكلب الاسود الذي يهاجمه». وعرفت ان السلطة في نهاية الامر لا توفر للانسان هدفا جميلا, وانما قد تجعله وحيدا وكئيبا.
لكن تشرشل يبدو ابلها وقليل الحيلة لأنه لم يعرف كيف يلتقط نظرات الناس وهم يتمنون لو انهم ملكوا ربع ما يملك من الجاه والشهرة. في الواقع لم يعرف تشرشل كيف يتمتع, ويعيش بكامل طاقته كما يفعل الكثير من سياسيي هذه الايام.
 وقياسا على نظرية «عصر المنصب كما تعصر ليمونة» سيكون تشرشل طفلا لا يعرف شيئا عن الدنيا.
حين استمع الى حديث في السياسة يكون المتحدث فيه مسؤولا في السلطة, وحين يستخدم ذلك المسؤول لغة جاهزة, انفرادية, عامة, وهو متأنق, ومتماسك وصلب كجذع شجرة الجوز استرجع في ذاكرتي بعض مشاهد من «يوتيوبات» عن حياة تشرشل, وأتخيل كآبته الشديدة او كما سماها «الكلب الاسود» الذي يرافقه اينما ذهب. 
نعم كان تشرشل شخصا يعاني من اضطراب الوجدان الثنائي القطب, وعندما رسم باصبعيه السبابة والابهام اشارة النصر التي اشتهرت بعد ذلك, وظهرت الصور بالاسود والابيض, قدم تشرشل للعالم حقيقة مضحكة عن سياسي يعد العالم بالنصر لكنه مصاب بكآبة تفقده القدرة على العمل احيانا.ومن الطريف ان في مجال الطب النفسي صار استخدام وصف «الكلب الاسود» شائعا جدا ومطابقا لما يمر به المريض من نوبات قد تدفعه للانتحار في النهاية.
  هل ذهبت كل انجازات تشرشل وصارت جزءا من الماضي, وبقي من ميراثه شيئان اثنان: علامة النصر, ووصفه لمرضه «بالكلب الاسود».
لكن ما الذي اريد ان اقوله, وأصل اليه في كل ما قلت قبل قليل؟
 في الواقع اريد القول ان كل منجزات السياسة لن يبقى منها سوى علامات بسيطة جدا. 
لقد انتهت الحرب العالمية الثانية, وتحولت الى متحف التاريخ الصامت. 
المتاحف صامتة كالقبور لكن العلامات التي يصنعها المرض او الصدق لن تدخل الى المتحف ابدا. لن يكون زي غاندي الابيض ونحوله, وصوفه إلا إشارات روح ستظل حية ومتحركة كإعصار.
 ولن يكون وجه جيفارا إلا رمزا عالميا لحق الانسان في التمرد والعيش. 
كذلك لن يكون مانديلا إلا وصفة صعبة التطبيق للتسامح.
 ولن يكون خوسيه موخيكا إلا نموذجا يمجد الفقر الرئاسي بكل نقائه.
ما اريد قوله اذن هو: لن تصنع اللغة العامة تاريخا للانسان مهما كان المنصب الذي يشغله.
 ولا يمكن ان يصنع السياسي خلوده من الاشياء التي يمتلكها لأن الاشياء غير قابلة للامتلاك. 
كل ما يستطيع فعله هو ان يترك علاماته البسيطة الينا وللاجيال السابقة. 
ويخطئ جميع السياسيين حين يعتقدون ان المنصب يشبه الليمونة برائحتها وطعمها الساحر حين يمتزج رحيقها ويتغلغل في قطعة سمك او قطعة لحم.
 لا القضية اكبر من هذا لأن السعادة لن تأتي ابدا من باب السياسة ولا من شبّاكها.     

التعليقات معطلة