علي حسن الفواز
يحتمل الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا الاردوغانية أكثر من قراءة، وينكشف على أكثر من مُعطى، إذ تثير القراءات المتعددة جدلاً له علاقة بنظرية المؤامرة من جانب، وتنفتح على مجال يرتبط بطبيعة الضغط الايديولوجي الذي بات يفرضه حزب العدالة والتنمية على المجتمع التركي من جانب آخر، مثلما تفضي هذه القراءات الى واقع يتبدى فيه ضعف المؤسسة العسكرية الأتاتوركية في مواجهة المد الأخواني، والمد الجماعاتي الاسلاموي.
كما أن معطيات هذا الانقلاب تؤشر طبيعة الخرق الحادث في المجتمع التركي وفي مؤسساته الحاكمة، مقابل رغبة التيار السياسي الجديد والمحتدم لـ (تقليم) أظفار الجنرالات الأتراك البعيدين عن سطوة الحاكمية، فضلا عن الرغبة الدفينة في إنهاء الارث الاتاتوركي العلماني، وعلى وفق طريقة (قتل التاريخ) وصناعة تاريخ شخصي لأمجاد الرئيس أردوغان الأخوانية بوصفه رجل المرحلة والدولة والايديولوجيا، وليس رجل البلدية السابق.
علاقة نظرية المؤامرة بالانقلاب العسكري لم تعد خافية، فالكثيرون تُثيرهم الطريقة الهوليودية التي انتهى بها الانقلاب، وتسليم قطعات الجيش أمرهم للجماعات الأمنية، وكأن القوة العسكرية الثانية في حلف شمال الأطلسي غير قادرة على ضبط الشارع التركي!! فضلا عن أنّ الطريقة الاستعراضية للاتصال في (الفيس تايم) التي قام بها اردوغان عبر الانترنت بعد سيطرة الانقلابيين على التلفزيون الرسمي، توحي بنوع من البطولة السرية لجماعات الشارع، أو لميلشيات حزب العدالة والتنمية. 
كل هذا أحدث ضجة وردود أفعال متعددة، لأن الانقلاب المضاد الذي أطاح بالدبابات التي احتلت شوارع أنقرة واسطنبول كان فيه الكثير من السوبرمانية!! كما أن علاقة قاعدة أنجرليك والمخصصة لقوات حلف الاطلسي بالانقلاب تثير الشكوك، لا سيما بعد اعتقال قائدها بتهمة المشاركة في الانقلاب، وهو موضوع يحتاج الى تفسير، لأن قوات الناتو وطياريها ومخابراتها موجودون في القاعدة، فكيف حدث ذلك؟
هذا الانقلاب ليس جديدا في مشهد العسكرتاريا التركية، فالانقلابات العسكرية في تاريخ تركيا المعاصرة معروفة، حيث نفذ الجيش التركي خمسة انقلابات قبل الانقلاب الأخير، تم فيها إسقاط جميع الحكومات المدنية، بدءا من انقلاب عام 1960 الذي انتهى بإعدام عدنان مندريس رئيس الوزراء ووزير خارجيته، وانقلاب 1971 الذي أسقط حكومة سليمان ديمريل، وتسلّم رئاسة الأركان للسلطة، وانقلاب 1980 وهو الأكثر عنفا، وقاده الجنرال كنعان إيفرين والذي أسقط حكومة حزب الشعب بقيادة بولند أجويد، وكذلك انقلاب 1993 الذي سبقته أحداث اغتيالات كبيرة انتهى باسقاط حكومة تانسو تشيلر، وحتى انقلاب 1997 الذي قطع الطريق على تضخم مؤسسة أربكان الاسلامية كان تعبيرا عن قوة المؤسسة العسكرية التي استشعرت خطرا من تنامي نفوذ الجماعات الاسلامية، ويُعد هذا انقلابا أبيض، بسبب سهولة تنحي الإسلاميين عن السلطة وتسليم مقاليدها للعسكر.. لكن يبقى انقلاب 2016 الأكثر إثارة، وغموضا، إذ أنّ فشل هذا الانقلاب يعني تحولاً كبيرا في تاريخ المؤسسة العسكرية بعد أن فقدت القدرة على التغيير، مقابل صعود المزاج الشعبوي الاسلاموي الذي يقوده حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان، مثلما هو أول تهديد حقيقي للإرث الأتاتوركي العلماني الذي تحصنت تحت يافطاته المؤسسة العسكرية عبر تاريخ انقلاباتها. اللغط المُثار حول الانقلاب يكشف عن طبيعة المزاج السلطوي لحكومة اردوغان، ولرغبته في تصفية الحسابات مع خصومه، بدءا من خصمه التاريخي رجل الدين فتح الله غولن، والمؤسسة القضائية الواقفة ضد طموحاته في الرئاسة وتعديل الدستور والسيطرة على المؤسسة الاعلامية، وانتهاء بالحد من هيمنة العديد من جنرالات المؤسسة العسكرية الذين ما زالوا مؤمنين بعلمانية الدولة.فشل الانقلاب لا يعني استتباب الأمر داخل المشهد التركي، وبدء مرحلة جديدة للأسلمة الأخوانية بقدر ما أنه سيُفضي الى الكثير من الأزمات والصراعات الداخلية، والمواجهات مع الأحزاب الراديكالية والنقابات والمزاج العلماني التركي، والطبيعة السياحية للاقتصاد التركي، وما تتطلبه من علاقات سياسية ذات مصالح عليا، لا سيما مع إيران، تلك التي ترتبط مع  تركيا بمصالح اقتصادية وجيوسياسية واسعة.
كما أن ملف الكرد الأتراك، ومع حزب العمال الكردستاني بشكلٍ خاص  سيكون أكثر تحديات اردوغان القادمة، فضلا عن الطبيعة المعقدة لملف الارهاب الداعشي في سوريا والعراق، والكيفية التي سيتعامل بها اردوغان مع تعقيداتها الأمنية والسياسية، لا سيما وأن المؤسسة العسكرية هي التي تعرضت للضربة الموجعة بعد فشل انقلاب بعض جنرالاتها.لكن، وكما يبدو واضحا، بأن المزاج السلطوي لأردوغان سيبقى هو ركوب الخيار الصعب، والرهان على تجاوز الأزمة، والتلويح بروح أخرى للعسكرة التركية التي تقوم على الولاء له بوصفه القائد الاعلى للجيش، وليس للإرث الأتاتوركي العلماني بنمطيته المعروفة، وهذا ما يجعل الأفق مفتوحا على احتمالات كثيرة، وعلى تداعيات ترتبط بالصراع الدولي في المنطقة، وملف المهاجرين الى أوروبا، وبحلم اردوغان للإنضمام للإتحاد الأوروبي، فضلا عن الصراع الإقليمي وما يتعلق بمخاطر الارهاب في العراق وسوريا، وعلاقة تركيا الحساسة مع دولٍ ذات طبيعة مثيرة للجدل مثل السعودية وقطر.   

التعليقات معطلة