مارتن وولف
 
«لكل مشكلة معقدة هناك جواب واضح، بسيط وخاطئ». كان من الممكن أن يكون هنري لويس منكن يُفكّر في الوضع السياسي اليوم. العالم الغربي بلا شك يواجه مشكلات معقدة، ولا سيما استياء كثير من المواطنين. بالمثل، الطامحون إلى السلطة، مثل دونالد ترامب في الولايات المتحدة ومارين لوبان في فرنسا، يُقدّمون حلولا واضحة وبسيطة وخاطئة، ولا سيما، القومية والعداء للمهاجرين والحمائية.
العلاجات التي يوفّرونها وهمية، لكن الأمراض حقيقية. إذا استمرت النخبة الحاكمة في الفشل في تقديم علاجات مُقنعة، فقد تنجرف قريباً، ومعها الجهود للمزاوجة بين الحكومة الذاتية الديمقراطية والنظام العالمي المفتوح والتعاوني.
ما التفسير لرد الفعل العنيف هذا؟ جزء كبير من الجواب يجب أن يكون اقتصاديا. ارتفاع الازدهار هو أمر جيد في حد ذاته، لكنه يخلق أيضاً احتمال وجود سياسات تكون فيها محصّلة المكاسب والخسائر أكبر صفر. هذا يُعزز الديمقراطية لأنه عندها يُصبح من المُجدي للجميع أن يُصبحوا أفضل حالا في الوقت نفسه. ارتفاع الازدهار يؤدي إلى تصالح الناس مع الفوضى الاقتصادية والاجتماعية، وغيابه يُثير الغضب.
معهد ماكينزي العالمي يُسلط ضوءا قويا على ما يحدث في تقرير بعنوان، ينمّ عن الكثير: «أكثر فقراً من آبائهم؟»، يبين كيف أن كثيرا من الأسر تُعاني ركودا أو انخفاضا في الدخل الحقيقي. في المتوسط، ما يراوح بين 65 و70 في المائة من الأُسر في 25 اقتصادا من البلدان ذات الدخل المرتفع مرت بهذه الظاهرة بين عام 2005 وعام 2014. لكن في الفترة ما بين عامي 1993 و2005 عانى 2 في المائة فقط من الأُسر ركودا، أو انخفاضا حقيقيا في الدخل. وهذا ينطبق على دخل السوق. بسبب إعادة توزيع الموارد من المالية العامة، فالنسبة التي تُعاني ركود الدخل الحقيقي القابل للصرف كانت بين 20 و25 في المائة. معهد ماكينزي درس الرضا الشخصي من خلال استبيان شمل ستة آلاف شخص فرنسي وبريطاني وأمريكي. ووجد مختصون استشاريون أن الرضا يعتمد على ما إذا كان الناس يتقدّمون مقارنة بآخرين مثلهم في الماضي، أكثر مما إذا كانوا يتحسّنون مقارنة بمن هم أفضل حالا منهم اليوم. بالتالي، يفضّل الناس أن يصبحوا أفضل حالا، حتى وإن لم يكونوا يلحقون بركب المعاصرين الذين لا يزالون أفضل حالا. الدخل الراكد يُثير قلق الناس أكثر من ارتفاع عدم المساواة. التفسير الرئيس للركود الطويل في الدخل الحقيقي هو الأزمات المالية والانتعاش اللاحق الضعيف. هذه التجارب أتلفت الثقة الشعبية بكفاءة واستقامة رجال الأعمال والإداريين والنخبة السياسية. لكن هناك تحوّلات أخرى أيضاً كانت سلبية. من بينها الشيخوخة (ذات الأهمية الخاصة في إيطاليا) وتراجع مساهمة الأجور في الدخل الوطني (ذات الأهمية الخاصة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وهولندا).
ركود الدخل الحقيقي على مدى فترة أطول بكثير من أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية هو حقيقة سياسية أساسية. لكن لا يُمكن أن يكون هو المحرك الوحيد للاستياء. بالنسبة لكثير ممن هم في منتصف توزيع الدخل، التغييرات الثقافية تبدو أيضاً مُهددة. كذلك الهجرة التي تجسد العولمة. المواطنة هي الأصول الأكثر قيمة المملوكة من قِبل معظم الناس في البلدان الغنية. وسيستاءون من مشاركة هذا مع الغرباء. وتصويت بريطانيا لمغادرة الاتحاد الأوروبي كان تحذيراً بهذا المعنى. إذن، ما الذي ينبغي فعله؟ إذا أصبح ترامب رئيساً للولايات المتحدة، قد يكون بالفعل قد فات الأوان. لكن لنفرض أن هذا لن يحدث، أو، إذا حدث، أن النتيجة لن تكون وخيمة بقدر ما أخشى. عندها ما الذي ينبغي فعله؟ أولا، أن نفهم أننا نعتمد على بعضنا بعضا من أجل ازدهارنا. من الضروري تحقيق التوازن بين تأكيدات السيادة ومتطلبات التعاون العالمي. الحوكمة العالمية، وإن كانت ضرورية، يجب أن تكون موجّهة نحو تحقيق أشياء لا تستطيع البلدان تحقيقها بنفسها. يجب أن تركّز على توفير الفوائد العامة العالمية الأساسية. اليوم هذا يعني أن تغير المناخ هو أولوية أعلى من زيادة انفتاح التجارة العالمية أو تدفقات رأس المال.
ثانياً، إصلاح الرأسمالية. دور التمويل مُفرط. استقرار النظام المالي في حالة تحسّن، لكنه يبقى مليئا بالحوافز السيئة. مثلا، يتم منح مصالح المساهمين أهمية مُفرطة على حساب مصالح أصحاب المصلحة الآخرين في الشركات. ثالثاً، تركيز التعاون الدولي في المكان الذي يُساعد الحكومات على تحقيق أهداف داخلية كبيرة. ربما الأكثر أهمية هو الضرائب. أصحاب الثروات الذين يعتمدون على الأمن الذي أوجدته الديمقراطيات المشروعة، لا ينبغي أن يتهرّبوا من دفع الضرائب. رابعاً، تسريع النمو الاقتصادي وتحسين الفرص. جزء من الجواب هو دعم أقوى لتلبية الطلب الكلي، ولا سيما في منطقة اليورو. لكن من الضروري أيضاً تشجيع الاستثمار والابتكار. قد يكون من المستحيل تحويل الآفاق الاقتصادية. لكن ارتفاع الحد الأدنى للأجور والإعفاءات الضريبية السخية للعاملين هي أدوات فعّالة لزيادة الدخل في الجزء السفلي من التوزيع. خامساً، محاربة الدجّالين. من المستحيل مقاومة الضغط للسيطرة على تدفق العمال غير المهرة إلى الاقتصادات المُتقدّمة. لكن هذا لن يعمل على تحوّل الأجور. بالمثل، الحماية ضد الواردات مُكلفة وستفشل أيضاً في زيادة نسبة التصنيع في العمل إلى حد كبير. صحيح أن النسبة أعلى بكثير في ألمانيا مما هي في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة. لكن ألمانيا تدير فائضا تجاريا ضخما وتملك ميزة نسبية قوية في مجال التصنيع. هذه ليست ظروفا قابلة للتعميم.والأهم من ذلك كله، الاعتراف بالتحدّي. الركود الموجود منذ فترة طويلة، والاضطرابات الثقافية وإخفاقات السياسة تجتمع لزعزعة التوازن بين الشرعية الديمقراطية والنظام العالمي. ترشيح ترامب هو نتيجة لذلك. الذين يرفضون الاستجابة الشوفينية يجب أن يأتوا بأفكار مُبتكرة وطموحة تهدف إلى إعادة إنشاء ذلك التوازن. هذا الأمر لن يكون سهلا. لكن يجب ألا يكون الفشل مقبولا أيضاً. إن حضارتنا نفسها على المحك.

التعليقات معطلة