نوح سميث
إن تناول الغداء مع «باول رومير» الخبير الاقتصادي في جامعة نيويورك، يعتبر تجربة حقيقية! فقبل أن أكمل كلماتي، أبدي ابتسامة وإيماءة، أدركت من خلالهما أنه بالفعل يعرف ما سأقوله. وبمجرد أن أنهيت كلماتي، بدأ بتقديم ردوده العميقة بطريقة مهذبة وودودة. ويكاد يكون من الصعب أن تفكر في شيء لم يفكر فيه «باول رومير» من قبل.
والآن ستتم الاستفادة من هذه التركيبة ذات العمق والاتساع في خدمة البنك الدولي. فقد أعلن «رومير» أنه قد قبل عرضاً لخلافة كبير الخبراء الاقتصاديين في البنك «كوشيك باسو»، الذي سيتقاعد في 31 من الشهر الجاري.
ويبدأ «رومير» عمله في البنك الدولي في وقت بالغ التحدي بالنسبة للاقتصاد العالمي. ومهمته هي محاربة الفقر المدقع وتشجيع النمو الاقتصادي العالمي. ولكن النمو يسجل تراجعاً في كل من الأسواق الناشئة والدول المتقدمة. وقد تباطأ نمو التجارة العالمية منذ الركود الكبير. ويبدو الوضع الاقتصادي في كل من الاتحاد الأوروبي والصين هزيلاً، بينما أضر انهيار أسعار السلع بكثير من مصدري الموارد الطبيعية. ولعل أكثر الأمور المثيرة للقلق هي أن الإنتاجية العالمية لم تعد تنمو.
و«معامل الإنتاجية الكلية»، الذي يعتبر معياراً لما ينتجه الاقتصاد بناءً على مقدار رأس المال وإنتاج العمال، هو المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي. وإذا لم يحقق نمواً، فإننا سنعاني حتماً من حالة ركود عالمي من دون نمو. وخلال الفترة من 1996 حتى 2006، كان «معامل الإنتاجية الكلية» ينمو بمعدل صحي عند واحد في المئة سنوياً. لكنه توقف عن النمو منذ ذلك الحين. وإذا استمر لفترة أطول، فإن تباطؤ الإنتاجية الحالي سيكون أشد سوءاً من فترة الركود التي حدثت في بداية سبعينيات القرن الماضي. وفي الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، يعني تباطؤ الإنتاجية إما أن القوانين واللوائح تخنق النشاط الاقتصادي، وإما أن التقدم التكنولوجي ذاته يسجل تراجعاً. وذلك الاحتمال الأخير هو الأكثر إزعاجاً، لأنه لا توجد حلول سهلة لدى الحكومات لمعالجة التباطؤ التكنولوجي.
لذا، ليس من المفاجئ بشكل كبير أن يختار البنك الدولي خبيراً اقتصادياً متخصصاً في دراسة النمو والتكنولوجيا. وأبرز أعمال «رومير» الأكاديمية هي نظرية «النمو الداخلي»، التي وضعها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. والفكرة الأساسية هي أنه من أجل التقدم التكنولوجي، على المجتمع أن ينفق الأموال، إما من خلال الأبحاث الحكومية أو الأبحاث والتطوير في قطاع الشركات. لذا، هناك حلقة مشتركة طبيعية بين الاقتصاد والتكنولوجيا.
وما لم يحصل على دعم، من المرجح ألا ينفق القطاع الخاص ما يكفي على الأبحاث، وذلك لأن الأفكار، التي تنتج عن الأبحاث، هي مثال تقليدي لما يسمى بـ«السلعة غير التنافسية»، فبمجرد أن يدفع شخص ما تكلفة توليد فكرة، مثل تصميم هاتف متحرك أو نظام تشغيل للسيارة ذاتية القيادة، فإنها لا تكلف شيئاً تقريباً كي تنتشر في أرجاء العالم. ويجعل ذلك من الصعب على الشركات أن تحصد القيمة الكلية لأفكارها في صورة أرباح. ومن ثم، لا يوفر السوق حوافز كافية كي يوسّع الباحثون حدود التكنولوجيا. ويتعين على الحكومة في كثير من الأحيان التحرك من خلال تمويل الأبحاث، أو نظام براءات الاختراع، أو أساليب أخرى.
ولطالما قاوم المدافعون عن السوق الحرة هذه الفكرة بقوة. لكن «رومير» كان دوماً مدافعاً شرساً عن مبدئه. بل وخاض معركة ضروساً بشأن الموضوع مع خبراء اقتصاديين يؤمنون بأن السوق الحرة قادرة على تحقيق تقدم ذاتي. ووضع ذلك «رومير» في خلاف مع المشرف على رسالة الدكتوراه الخاصة به «روبرت لوكاس» الأستاذ في جامعة «شيكاغو»، وهو أحد المدافعين عن السوق الحرة والخبير الاقتصادي الذي يتمتع بشهرة كبيرة.
ومن الممكن أن يكون «رومير» مجادلاً كبيراً، ولا يغض الطرف عما يعتبر أنه حجج غامضة. وكان ذلك واضحاً عندما انتقد خبراء الاقتصاد بسبب ما وصفه بمحاولة كثير منهم قصر العلم على نماذجهم الرياضية التوضيحية.
بيد أن العمق الفكري لـ«رومير» يتسق أيضاً مع اتساع غير مألوف بين الاقتصاديين الأكاديميين. فبدلاً من مجرد دراسة التقدم التكنولوجي، ساهم فيه أيضاً، حيث أسس في عام 2000 شركة تكنولوجيا التعليم «أبليا»، وباعها إلى «سينجيج ليرنينج» في 2007. وتوفر تطبيقات «رومير» للطلاب واجبات منزلية تفاعلية تحاكي نموذج ومستوى صعوبة كتبهم المدرسية.

التعليقات معطلة