محمد شريف أبو ميسم 
 كانت الأحداث متسارعة ودراماتيكية في ليلة الانقلاب التركي التي انشغل فيها العالم حتى مطلع الفجر وانقسم على اثرها الرأي العام في منطقتنا الى فريقين، الاول عبر عن فرحته بخبر الانقلاب العسكري في تركيا، بعد ان ذاق الامرين من سلسلة التداعيات الناجمة عن التدخلات التركية في شؤون بلده والبلدان العربية الاخرى وهذا الفريق تمثله آراء الجمهور على مواقع التواصل الاجتماعي في كل من العراق وسوريا ومصر وليبيا وحتى اليمن والبحرين وربما في الجزائر وتونس، والثاني عبر عن حزنه ورفضه الشديد لهذه الحركة الانقلابية التي تحاول الاطاحة بنظام يتماهى مع عقائده ويحقق له المزيد من رغبات التفوق بدواع مختلفة، عادا ذلك انتهاكا للديمقراطية وتعديا على الشرعية التي تتمتع بها حكومة حزب العدالة والتنمية التي جاءت عن طريق صناديق الاقتراع وليس على ظهور الدبابات، وهذا الفريق يمثله تيار كبير من جمهور دول الخليج التي لم تعرف الديمقراطية على مدار تاريخها، فضلا عن الجمهور الذي اسرته النظريات الاخوانية في كل من الاردن وسوريا والسودان والمغرب وتونس وموريتانيا وربما لبنان وبقية البلدان العربية الاخرى. 
 هذا الحدث كشف عن كثير من الحقائق التي تأتي في مقدمتها هشاشة الامبراطورية التي تراءت لأردوغان وهشاشة الوهم الذي حاول أن يعيد من خلاله انتاج الدولة العثمانية. وكشف عن زيف الادعاء الديمقراطي الذي تتشدق به دول الاتحاد الاوروبي التي لم تعلن حكوماتها عن مواقفها ازاء الخطر الذي يهدد الديمقراطية في دولة جارة تشاركهم الكثير من المعطيات الحياتية وهي عضو في حلف شمال الاطلسي، وظلت كل دول الاتحاد صامتة حتى صباح اليوم التالي، وهي معقل الدفاع عن الحريات وحقوق الانسان ومصانع لتصدير الديمقراطية، فهل أخرسهم ضجيج الانقلابيين؟ ام ان اردوغان الذي ساوم دول الاتحاد بملف اللاجئين وصدر الارهابيين الى اوروبا لاستمرار رفضها انضام تركيا للاتحاد يستحق أن يطيح به العسكر؟ وبالتالي فاننا لا نلوم انفسنا ان تشدقنا كأفراد بالشعار الديمقراطي ودافعنا عنه في كثير من الاحيان فيما ننقلب عليه في أحيان أخرى. اذ يرتدي المدعون معطف الديمقراطية عندما ينسجم الشعار الديمقراطي مع مصالحهم وأهدافهم ويخلعونه بيسر حين يضيق عليهم، وحين تصطدم الديمقراطية بالأولويات يكفرون بها ويضعون الخطوط الحمراء عادين المصالح بمصاف المقدسات التي تبيح المبررات لنسف الديمقراطية وحقوق الانسان، وبناء عليه فلا خير في ديمقراطية قرابينها ارواح الأطفال والمدنيين، ولا خير في ديمقراطية يذبح في محرابها الجمال والحب والانسانية، ولا خير في أردوغان وان جاءت به صناديق الاقتراع الى سدة الحكم في تركيا.. 
اردوغان الذي سوق لنا الموت وألحق الضرر ببلادنا وحارب مصالحنا وتعمد أن يتبع سياسة لي الأذرع معنا ونحن في أضعف حالاتنا الناجمة عن الارهاب الذي كانت تركيا تصدره لنا وعن التصارع السياسي الذي غذته الجارة تركيا.
اردوغان لم يكن مسلما معنيا بالاخلاق الاسلامية عندما يفتح الابواب للارهابيين ليقطعوا اوصال المدنيين العزل في أسواقنا ومدارسنا واماكننا العامة، لا بل لم يكن انسانا وهو يفعل هذه الفعلة، فقد تقطعت اوصال الأبرياء على مدار سنوات بالسيارات المفخخة التي كان يقودها الارهابيين القادمون لنا عبر الحدود التركية.
 اردوغان تعمد ان يواصل العمل بسد «اليسو» على الرغم من الأصوات العالمية المطالبة بايقاف بناء هذا السد الذي سيأتي بالجفاف والخراب على العراق وعلى جنوب هضبة الاناضول معا، اردوغان تعمد التدخل عسكريا في بلادنا ولم يحترم علاقات حسن الجوار وسيادة أراضينا.. أردوغان تعمد ايواء الارهابيين الهاربين من العراق وتعمد مساعدتهم في اقامة مؤتمراتهم وتسهيل تحركاتهم وهم مطلوبون من الشرطة الدولية.. 
أردوغان كان سببا مباشرا في اغراق اسواقنا المحلية بالسلع الفاسدة وغير الصالحة مستغلا ضعف السلطات العراقية وجهازها التنفيذي، فساهم في الاغراق السلعي وسوّق لنا أردأ المنتجات التي كانت تستنزف مدخولات المواطن العراقي.. فكيف لنا أن نحترم الديمقراطية التي جاءت بهذا الأردوغان؟
ويحق لنا ونحن نراقب المشهد أن نتساءل عن سر الصمت الاميركي حتى ساعة متأخرة، فيما يبلو الانقلابيون بلاء حسنا في التنسيق والتطبيق لما بدا انه مخطط له مسبقا، ثم سرعان ما انحاز الموقف الاميركي لصالح الديمقراطية والحكومة المنتخبة ليصاحبه سقوط احدى الطائرات المروحية للانقلابيين وتوقف طائرات الـF16  الاميركية الصنع عن اداء مهامها وهي بقيادة الانقلابيين واستسلام مجموعة هنا أو هناك.. الامر الذي قلب الموازين وجعل الانقلاب وكأنه تصرف غير مدروس فيما تؤكد التقارير ان اعداد الضباط المشاركين به تصل لنحو المئات منهم فما الذي يدفع هؤلاء للتضحية بأرواحهم والمخاطرة بمستقبل عوائلهم مع زبانية السلطان وهم غير متاكدين من النتائج التي تجلت في بادئ الامر على أفضل حال؟ وما مدى صحة ما يقال بشأن التدخل المباشر للطيران الأميركي والاسرائيلي في حسم ملف السيطرة على الأجواء التركية؟ فهل نحن ازاء قرصة اذن لناظر المدرسة الاردوغانية ودرس خصوصي مفاده: ان شئنا لجعلناك في خبر «كان»، فكن معنا في مشروعنا الشرق أوسطي مؤدبا لتكون مرفوعا في خبر «إنّ»؟

التعليقات معطلة