علي شايع
ثمة كتاب قديم ساخر يدعى «الفاشوش في حكم قراقوش» من تأليف اﻷﺴﻌد ﺒن ﻤﻤﺎﺘﻲ، ت (606 ﻫـ/1209م) والذي عاصر قاضيا طاغية بالدولة الأيوبية في مصر. وكعادة أهل أرض الكنانة بالتقاط النوادر والطرائف، وثّق الكاتب الطريف من أحكام ذلك القاضي التركي (قراقوش)، مدوناً حكايات كثيرة رويت عن أحكام جائرة وقصص عجيبة جرت في زمانه، ليست من التشريع أو العرف بشيء.
حكم قراقوش وظلمه ذكّرني بما صدر من قرار جائر لمحكمة الجنايات الكويتية بحق النائب في مجلس الأمة عبد الحميد دشتي يقضي بسجنه 11 عاماً و6 أشهر بتهمة الإساءة للسعودية!، والحكم بالسجن 3 أعوام بتهمة الإساءة للبحرين!.
المحكمة استندت في إصدار هذا الحكم الغيابي المجحف على تصريح للنائب (دشتي) ذكره في استضافة تلفزيونية على قناة سورية، جاء رداً على سؤال عن «الوسيلة المعتبرة للقضاء على الفكر الإرهابي»، حيث قال: «الحل بضرب أساس الفكر التكفيري الوهابي في عقر داره». واعتبرت المحكمة أن ما ذكره المتحدث موجّه بعين التشخيص إلى (السعودية).
مما يثير العجب والاستغراب أن يصدر مثل هذا الحكم القاسي بحق إنسان قال رأياً مضاداً للإرهاب، ولا تتخذ إجراءات مماثلة بحق إرهابيين أو داعمين لهم، حيث رُفعت عشرات الشكاوى ضد متورطين ما زالوا يتمتعون بكامل حريتهم في دولة الكويت ويمارسون نشاطاتهم المشبوهة، دون أي رادع. وإذا قورنت قضية الإساءة لبلد مجاور بما واجهه العراق فسيكون على محاكم الكويت إصدار الحكم على عشرات المتجاوزين.
قيل: إذا عُرف السبب بطل العجب؛ فالسيد دشتي كان دائم المواجهة مع قوى الإرهاب ومصادرها، وخلال كلمته أمام الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة الشهر الماضي، أشار بشجاعة إلى ما «تسببت به السعودية» من مخاطر لأنها «أعاقت أعمال التنمية في كل من اليمن وسوريا والعراق» بسبب «عدم اتخاذها الموقف المطلوب من الإرهاب»، وجاءت كلماته مطابقة لبيان مشترك لمنظمتي العفو الدولية وحقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش) ذكرتا فيه أن السعودية «اقترفت انتهاكات جسيمة وممنهجة لحقوق الإنسان» في الخارج والداخل، و»استغلت موقعها بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لتمنع على نحو فعال تحقيق العدالة بشأن جرائم الحرب المحتملة التي ارتكبتها».
النائب الكويتي (دشتي) لم يأت بجديد إذن في قضية سبقه بطرحها (ريتشارد بينيت) مدير مكتب منظمة العفو الدولية في الأمم المتحدة، لكنّه ذكّر بتفاصيل جعلت ممثل السعودية لم يحر جواباً، حتى أنبرى ممثل دولة قطر مقاطعاً للدفاع عن السعودية. الدفاع اليائس لممثل دولة قطر، ذكّرني أيضاً بواقعة دفاع طريفة عن القاضي (التركي) الجائر (قراقوش) فبعد قرون طويلة من إصدار كتاب «الفاشوش في حكم قراقوش» وجد (الشيطان) من يدافع عنه في السعودية، حيث جمع (صالح محمد الجاسر) كتاباً عنوانه (قراقوش المظلوم حياً وميتاً)، والعجيب أن يعنون دفاعه عنه في حياته، وهو لم يعاصره كابن البلد القبطي صاحبنا (اﻷﺴﻌد ﺒن ﻤﻤﺎﺘﻲ). والأغرب أن يُروج بعضهم للكتاب – خليجياً – كمنهج لإنصاف من ظلمهم التاريخ!.. فيا للإنصاف ويا للتاريخ ويا للحاضر.