نهلة الشهال
…وتلك طبعاً كيانات لا وجود لها بهذا الإطلاق. لكن بياناً يخص «البوركيني»، صدر قبل أيام عن «الاتحاد اليهودي الفرنسي للسلام»، الذي نشأ في الأصل حول الموقف من المسألة الفلسطينية (ويمتلك بالتالي رؤية سياسية شاملة للعالم). و»البوركيني» اسم أطلق على رداء البحر الذي يشبه ما يرتديه الغطاسون، والذي تبنته النساء المسلمات المحجبات لارتياد الشواطئ، فصدرت قرارات بلدية تحرم ارتداءه وتعتبره «ملابس غير لائقة بالمكان» أو «علامة على انتماء ديني ظاهر»!
لقد ذكّرهم بيان الاتحاد اليهودي الفرنسي للسلام بما قال أنهم «يتناسونه بخفر»، من أن النساء اليهوديات المتدينات (ممن يقال لهن «الأرثوذكسيات»، أي المتشددات في تطبيق الشريعة اليهودية)، يرتدين منذ سنوات لباساً مشابهاً يطلق عليه «تسونوت» (tsnouot)، بل يمارسن السباحة في مسابح ذات طابع «طائفي». ونادى البيان السلطات الدينية المسيحية، ولكن وخصوصاً اليهودية، كي تخرج عن صمتها وتنتبه إلى أهمية الحفاظ على حق كل فرد بممارسه عباداته وطقوسه بحرية، مذكراً بأن «السكوت قاتل» في مثل هذه الأحوال، بعلامة ما جرى أثناء الحرب العالمية الثانية من تنكيل باليهود ومن «اضطهاد بقصد الإهانة والإجبار على طأطأة الرؤوس»، ومثلما يتم تقصّد المسلمين اليوم.
وقد انتهى الأمر في أوروبا ومع احتلال السلطة النازية جزءاً كبيراً من فرنسا، إلى الوشاية الواسعة باليهود (حتى من جيرانهم وأصدقائهم، انسياقاً وراء الموجة العنصرية، وفي أحيان كثيرة طمعاً بأملاكهم ومقتنياتهم…) وإلى الترحيل إلى معسكرات الاعتقال والمحارق.
كذلك راح يتدخل في النقاش المنفلت من عقاله كتّاب تعمدوا تعريف أنفسهم كيهود، أي قصداً وعلناً، على اعتبار أن الصفة تمنحهم «شرعية» لمواجهة الحملة العنصرية المسعورة ضد المسلمين، مستعيدين تاريخ اضطهاد اليهود في أوروبا عموماً وفرنسا خصوصاً، وهو تاريخ قريب، يُدرّس رسمياً ولو بتمويهات عدة، علماً بأن الكثيرين ممن عاشوه ما زالوا على قيد الحياة… أو هي قصة آبائهم الذين نجوا ورووها لهم، أو أدركوا هم فداحتها بسبب الخسارة التي عانوها، حيث تمكنوا من الخلاص بفضل سلسلة من المصادفات، وبالأخص لأن «أحراراً» قاموا بتهريبهم أو بتخبئتهم… ومذكّرين كذلك بأن العنصرية لم تقتصر على اليهود لكنها طاولت أيضاً الغجر والشيوعيين…وهكذا عادت إلى المسرح شياطين ظُنّ أن مكانها صار محصوراً في كتب التاريخ والأدب، بل حضر دريفوس، ذلك الضابط الفرنسي الذي اضطهد ليهوديته في نهاية القرن التاسع عشر، وكان وراء صدور بيان إميل زولا الشهير «إني اتهم» (الذي يُعد إحدى الوثائق التأسيسية لفلسفة حقوق الإنسان، ولانطلاق جمعياتها). يا لهذه النهاية للائيكية الفرنسية! صارت الطوائف تتنادى أو يُنادى باسمها في خضم ما تولِّده حالة تدّعي أنها ممارسة قصوى لما تعتبره تلك اللائيكية – ويعتبره القانون التأسيسي للبلاد – مساواة المواطنين بغض النظر عن أي انتماء لهم، ديني أو عرقي أو اجتماعي… لائيكية هي دين مقدس لا يطيق الفروقات ويقمعها بعنف، ولا يقر بوجود «جماعات»، ويحرّم الإشارة إليها عند إجراء الإحصاءات أو استطلاعات الرأي مثلاً، ويعتبر النموذج الفرنسي المستند إلى الأنوار والثورة الكبرى شاملاً عالمياً، على نقيض التنظيم الاجتماعي الأنغلوسكسوني الذي يقر بما يسميه الفرنسيون باحتقار «النسبية الثقافية» التي تتشكل على أساسها جماعات (communities) لها حقوق وتنظيمات بوصفها كذلك. وفيما يسمح البوليس البـــريطاني مثلاً لجنديات وضابطات بارتداء الحجاب تحت القبعة العسكرية، تلاحق الشرطة الفرنسية «سهام» (أخيرة القصص العجائبية وليست آخرتها بالتأكيد) لأنها ترتدي في مكان عام بنطالاً ضيقاً و«تي شيرت» طويل الأكمام وتلف قطعة قماش حول رأسها بينما تلاعب أطفالها على الشاطئ… فيحرَّر لها ضبط مخالفة ويطلب منها خلع ملابسها أو فك رداء الرأس على الأقل… كبرهان على علمانيتها! هذه الموجة متصاعدة، وليست وليدة هذه الأيام الأخيرة، ولا هي نتاج العمليات الإرهابية التي وقعت في فرنسا خلال العامين الماضيين، وآخرها ذبح الكاهن في قرية بالنورماندي، ما كان كله فرصة ذهبية لتعمد الخلط بين الإرهاب والمسلمين على العموم، ولانطلاق سجالات مذهلة من قبيل تفحص المركّب الأصلي للإسلام لمعرفة إن كان ديناً محرضاً على العنف، يقوم به غير ذوي معرفة في كثير من الأحيان، أو «خبراء» ومختصون «فرّخوا» بلمح البصر، أو متحذلقون يريدون لفت الأنظار إليهم. الموجة تعود إلى نهايات الثمانينات، حين بدأت بعض المدارس الرسمية تمنع الفتيات من ارتداء غطاء الرأس، وتطردهن في حال الإصرار عليه. سجل بضع مئات من حالات الطرد قبل تشكيل لجنة رسمية لدرس الأمر، وصدور القانون الذي يحرم الحجاب في المدارس في 2004. وقتها، حاولت أصوات عاقلة لفت نظر السلطات الفرنسية إلى «المفعول العكسي» لمثل هذا القانون الذي، بحجة الدفاع عن تحرر النساء، حرم فتيات من الدراسة وأقعدهن في البيت أو رمى بهن في المدارس الخاصة المسيحية، أو في تلك الأهلية الخاصة أيضاً، ذات الطابع الإسلامي، التي راحت تتكاثر كالفطر. الحالة تمددت إلى منع المحجبات من الشغل في المؤسسات العامة (والخاصة في كثير من الأحيان ولو من غير أن تكون ملزمة بتطبيق القانون)، وانتهت إلى التفكير بحظر الحجاب في الشارع بعد حظر النقاب بقانون. وفي كل عتبة من هذه الموجة يقول المرء في نفسه: هي مزايدة بين السياسيين المفلسين لتحقيق غلبة في انتخابات كذا أو كيت على أساس فبركة عصبيات معينة أو استدعائها من طيات قديمة، أو هو اختلاق لأشباح مخيفة لمحاربتها تعويضاً عن غياب تصورات وبرامج لكيفية تجاوز أوضاع اقتصادية/ اجتماعية متغيرة… وقد تكون لنزع الحجة من يد اليمين المتطرف قطعاً لطريق الوصول إلى السلطة عليه. إلا أن الحالة تفضح في الواقع هيمنة باتت متحققِة – لدى اليمين التقليدي واليسار الرسمي على حد سواء، والنخب والجمهور العريض – لتفكير ركيزته البناء على متلازمة الهوية والأمن: الوصفة الفاشية بامتياز!
بات كتّاب الصحف الأوروبية وحتى الأميركية يسخرون علناً من «النقاش الفرنسي». فيما يرى فرنسيون أو مقيمون في فرنسا أن الأمر ليس مضحكاً أبداً، بل هو مرعب!