ستيفان واجستيل
مضت أيام كان فيها السياسيون المحافظون في المقاطعات الألمانية يستميتون لتأمين حضور المستشارة أنجيلا ميركل في مهرجاناتهم أثناء الحملات السياسية. لكن الحال لم تعد كذلك اليوم. يشهد على ذلك فرايدر فاينهولد، الذي لم يعد حريصا بأي شكل على أن تكون موجودة للتحدث أمام الناس. يحدث هذا في الوقت الذي يكافح فيه حزب يمين الوسط للفوز بأصوات في المنطقة الشمالية الشرقية، ميكلينبيرغ فوربوميرن، التي ستذهب للانتخابات. يقول هذا الرجل ذو الطباع الهادئة، الذي كان في السابق راهبا بروتستانتيا، إن أزمة اللاجئين تسببت في انهيار مفاجئ في شعبية ميركل- حتى في المقاطعة، التي يوجد فيها مسقط رأسها ـ وحولتها إلى مغناطيس يجذب المظاهرات، التي يمكن أن تأتي من الحزب اليميني المتطرف «البديل لألمانيا» المناهض للهجرة. ويضيف فاينهولد، الذي كان يتحدث في الميناء التاريخي في منطقة هانسا الواقع في مدينة فيزمار: «كان يمكن أن يكون الأمر مختلفا قبل سنة من الآن. [أما الآن] لو عقدنا اجتماعا معها لن يكون مجديا. ربما يأتي حزب البديل لألمانيا بأعمال تهدد السلم الاجتماعي، لذلك لم أعد راغبا في المخاطرة».
تعكس مخاوف فاينهولد قلقا واسعا بدأ ينتشر في أوساط حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني، فحواه أن ميركل لم تعد ذلك السياسي الذي يفوز بالأصوات. والدليل على ذلك استفتاء وطني أجراه تلفزيون «إيه آر دي» الأسبوع الماضي، أظهر أن نسبة التأييد الشخصي لها بلغت 44 في المائة فقط، وهي الأدنى على مدى خمس سنوات، مقارنة بنسبة التأييد بلغت 75 في المائة في نيسان (أبريل) 2015، قبل أزمة اللاجئين.
وحتى بالرغم من اعتبار منطقة ميكلينبيرغ فوربوميرن الريفية التي تنتشر فيها المزارع والبحيرات والمنتجعات الشاطئية، قاعدتها السياسية وجمهورها الانتخابي، إلا أن ميركل ستتحدث في أربعة مهرجانات انتخابية عامة فقط. واحد منها في برلين التي ستُجرى فيها الانتخابات في 18 سبتمبر (أيلول). ويحدث هذا مقارنة بـ 21 مهرجانا انتخابيا في المناطق الثلاث التي صوتت في الانتخابات الإقليمية الأخيرة في مارس (آذار). أصبح مسؤولو الحزب ونظراؤهم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي، من الذين سيطروا على منطقة ميكلينبيرغ فوربوميرن، محبطين لأن أزمة المهاجرين تركت أثرا سيئا وألقت بظلالها على ما كان يعتبر قصة نجاح محلية. لكن إلى حد كبير بفضل ازدهار السياحة، ارتفعت الدخول في هذه المنطقة، التي تعتبر أفقر منطقة في ألمانيا، وانخفضت نسبة البطالة إلى النصف خلال عقد من الزمن، لتصل إلى 9 في المائة. ومع ذلك، كما يقول مارتين كوشكار، الباحث السياسي في جامعة روستوك، الواقعة في أكبر مدينة في منطقة ميكلينبيرغ فوربوميرن: «مركز الاهتمام في الانتخابات سيكون سياسة ميركل بخصوص الهجرة».
ويحاول حزب «البديل لألمانيا» اقتناص الفرص والحصول على أكثر فوائد ممكنة. وبالفعل وجد آخر استطلاع للرأي أجراه تلفزيون «إيه أر دي» أن هذا الحزب حاز على نسبة تأييد بلغت 21 في المائة، أي أقل بقليل من النسبة التي حاز عليها حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي 22 في المائة، والحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني 27 في المائة. وعلى الرغم من أن الديمقراطيين الاجتماعيين خسروا أكثر من ذلك بكثير، مقارنة بالتصويت الإقليمي، الذي جرى في عام 2011، عندما نجحوا في الحصول على نسبة 35.6 في المائة، إلا أن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (الذي حاز على نسبة 23 في المائة في عام 2011) أصبح الآن يواجه الحرج من إمكانية أن يسبقه حزب «البديل لألمانيا» الذي تأسس فقط في عام 2013.
هايو فونكه، أستاذ العلوم السياسية في جامعة برلين الحرة، يقول إن المنطقة- التي يوجد فيها حضور عميق للنازيين الجدد- يمكن أن تشهد تصويتا للجناح اليميني يصل إلى 30 في المائة، وهي أعلى نسبة على الإطلاق في ألمانيا ما بعد عام 1945.
وبحسب المرشح الرئيسي لحزب «البديل لألمانيا»، لايف– إريك هولم، ذو الشخصية الآسرة، الذي عمل سابقا في الحفلات مشغلا للأسطوانات الموسيقية، حتى مع أن منطقة ميكلينبيرغ فوربوميرن استضافت عددا قليلا من المهاجرين- نحو 23 ألف شخص، من بين سكان يبلغ عددهم 1.6 مليون نسمة- إلا أن الناخبين قلقون «فهم قادرون على أن يشاهدوا على التلفزيون ما يحدث في برلين ومدن غربي ألمانيا الكبيرة. لذا يمكن القول إن هناك مجتمعا موازيا من المهاجرين في ألمانيا». واستقبل هولم استقبالا حسنا من نحو 50 من الناخبين التقاهم في فندق قرب مدينة فيزمار الأسبوع الماضي. وقد بدا أن الحضور، وأغلبهم من المسنين، أحبوا أسلوبه الهادئ الذي يتناقض بشدة مع الخطابات ذات النبرة العالية المناهضة للمهاجرين التي يدلي بها بعض زعماء حزب «البديل لألمانيا». يقول كلاوس كوبون (74 عاما)، وهو من الذين اعتادوا التصويت لفترة طويلة للحزب الديمقراطي الاجتماعي، وتحول أخيرا للتصويت لحزب «البديل لألمانيا»: «لسنا عنصريين، الأمر لا يتعلق باللاجئين، بل يتعلق بكل شيء، إنه يتعلق بالكيفية التي تم بها استبعاد أطفالنا لمصلحة اللاجئين».
وفي مصادفة تتعلق بالتوقيت، سيكون لها صدى سياسيا، يأتي التصويت بعد أيام قليلة فقط من أول ذكرى سنوية على تعهد ميركل بدمج القادمين الجدد في المجتمع الألماني، وهو التعهد الذي أصبح اليوم مشهورا بـ «نستطيع أن نفعل ذلك».
وقد انتهز هذه الفرصة سيجمار غابرييل، زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي، وشريك ميركل في الائتلاف الحاكم، لكي ينأى بنفسه عن المستشارة هذا الأسبوع، حين قال إن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي قلل من الصعوبات الناتجة عن التعهد بدمج المهاجرين. وهزت تصريحاته برلين، لأنها أضافت صوتا يساريا إلى الانتقادات التي كانت تأتي حتى الآن من اليمين.
وعملت ميركل على تلطيف خطابها، في محاولة منها لاستعادة قلوب المتشككين المحافظين. فقد قالت في مقابلة أجريت معها هذا الأسبوع، على الرغم من أن البلاد ستتغير من خلال الهجرة «ألمانيا ستبقى ألمانيا، مع كل شيء نحبه ونعتبره عزيزا علينا».
ومع ذلك بقيت مؤيدة لشعار «نستطيع أن نفعل ذلك»، مصرة على أن تعهدها في الصيف الماضي بالترحيب بالمهاجرين كان في محله. لكن إذا صدقت استطلاعات الرأي، فإن ذلك سيظهر أن الناخبين في منطقة ميكلينبيرغ فوربوميرنلا.