ناظم محمد العبيدي
في كتابه (فن الرواية) يستعير كولن ولسون أنواع (العدسة) ليصف رؤية بعض الروائيين في نصوصهم، والكيفية التي يقدمون بها عالمهم الروائي، فهنالك الروايات التي تتطلب عرضاً موسعاً للكثير من الشخصيات والأحداث وبخاصة تلك التي تتناول مراحل تاريخية حرجة نتيجة الحروب والصراعات مثل رواية تولستوي (الحرب والسلام) مثلاً. في هكذا روايات يكون على الراوي النظر من خلال عدسة تتسع لمساحة الرؤية، لتحيط بما هو متشعب في تفاصيله وأبعاده، وتلم عن بعد بأقصى ما يمكن من الوقائع التاريخية والمصائر البشرية التي ترد داخل المتن الروائي، وثمة نمط آخر يتطلب تقريب الرؤية والتركيز على التفاصيل الصغيرة المتعلقة بالشخوص وحيواتهم اليومية. هذه الاستعارة من كولن ولسون يمكن استخدامها على نحو شامل وفي مجالات الحياة والمعارف المختلفة، فلا يمكن للرؤية الإنسانية أن تمسك بالحقيقة ما لم تنتظم فيها جميع أبعاد الصورة لتكون رؤية متكاملة، ولا تتجاهل ما هو تاريخي وجوهري لحساب ما هو آني وعابر، فليس من طبيعة الأحداث أن تجري بدون مقدمات ودوافع، ولا يمكن أن تنتهي بغير نتائج تترتب عليها، وما نطلق عليه بالرؤية الستراتيجية اليوم هو تمثيل علمي لهذه البديهية، أليست الحسابات السياسية هي قراءة ما هو قريب والتطلع الى نقطة أبعد وفق منطق الأحداث والمصالح وما تسفر عنه من حقائق مستقبلية متوقعة؟.
ومن الناحية الاجتماعية والنفسية بالإمكان النظر الى طبيعة الناس والطريقة التي يواجهون بها تجاربهم الحياتية، وبحسب استعارة (كولن ولسون) يمكننا التمييز بين أولئك الذين يقرأون المشهد بكل تعقيداته ولا يفوتهم النظر الى ما هو أبعد كأنما أبصروا ما هو ناء ومستتر، وبين أولئك الذين لم يروا سوى الراهن وعموا عن رؤية الآتي الذي احتجب في غلالة البعد، ويمكن الإشارة الى جملة مواقف إنسانية تعكس هذه القدرة التي يمتلكها بعض الأفراد، فيخرج بهم عن أسر الظرف الآني من أجل معنى كبير غائب، أو لأجل حسابات مستقبلية تؤمن بحتمية مجيئها وحصولها. ربما كان الضمير الإنساني والشعور بالمسؤولية والواجب جزءا من ذلك الحدس البشري الذي يرتبط بما هو خارج وفي منأى عن ضغوطات الواقع والزاماته، فضلاً عن مغرياته ومزالقه المتعددة، ومن يقرأ كتاب الروائي هرمان هسه (اذا ما استمرت الحرب) الذي يحذر فيه من مخاطر الحرب في سنوات حكم الحزب النازي لألمانيا، يمكنه أن يرى أهمية الرؤية التي تستشرف المستقبل وتبصر أبعد مما يرى الآخرون، فما دامت الحياة الإنسانية تحد بمسافة زمنية، وترتهن بظروف موضوعية فإن الحاجة الى  التجاوز تتطلب مثل هذه الرؤية، تلك التي تستطيع الإفلات من أسر الراهن والضروري بكل الزاماته لتتحرر كأنها تنظر من أقصى نقطة متأملة في الوجود الإنساني، بكل ما انطوى عليه من تناقضات وخيبات ومآثر أيضاً، ربما أحدث ذلك فرقاً في النتائج النهائية، مع أن الكثير من التجارب التاريخية تقول: ان أمثال هرمان هسه لا يشكلون فرقاً أمام الأعداد الكبيرة التي عادة ما تستسلم للواقع والإعلام المدوي!.

التعليقات معطلة