محمد الحداد
فاجأتْ دموعُ أوباما الكثيرين حولَ العالم أثناء خطاب الوداع الأخير الذي سجلتهُ الكاميرات وشاهدهُ العالمُ بأسره..كأنها نبهتهم لأولِ مرةٍ بأن الرؤساءَ يمتلكون أيضاً دموعاً يمكنُ لهم أن يذرفوها ببساطةٍ مثل بقية البشر الآخرين.
العديدُ من رؤساءِ العالم وزعمائهم ذرفوا دموعاً ساخنة اختلطت فيها مشاعرُ الفرح بالحزن في مناسباتٍ مختلفة التقطتها عدساتُ الكاميرات أيضاً..ومن بين حالاتِ البكاء الأشهر على مستوى العالم تلك التي سُجلتْ لجورج بوش الإبن حينما منحَ الوسامَ الرئاسي لأحد ضباط سلاح البحرية بعد وفاتهِ وبكاء “بوتين” بعد فوزهِ في انتخابات عام 2012 وبكاء رئيسة الأرجنتين “كريستينا فرنانديز” بعد فوزها في الانتخابات الرئاسية لعام 2007 وثمة الكثير من الحالات المماثلة الأخرى لكن أغرب حالات البكاء كانت للزعيم الكوري الشمالي “كيم جونغ أون” المعروف بغطرستهِ وجبروتهِ وذلك حزناً على وفاةِ والدهِ عام 2011.
بالنسبة لي لم يكن مشهدُ دموع “أوباما” هذا غريباً لكنهُ أعادني بضعة سنواتٍ إلى الوراء وذكرني بتلك الدموع الساخنة التي ذرفتها عينا الرئيس البرازيلي السابق “دا سيلفا” في مناسبةٍ مماثلة في واحدةٍ من أروع لحظات الصدقِ الإنساني مع النفس التي شاهدتها طوال حياتي كلها.
ولكي أكون أكثر دقة فإن خطابَ وداع “أوباما” هذا أعادني بالذاكرةِ إلى الرئيس البرازيلي السابق “دا سيلفا” مرتين لا مرةً واحدة وسأمرَّ على ذلك بعد قليل.
حكمَ “دا سيلفا” البرازيل لفترتين رئاسيتين من 2003 إلى 2011..ويوم أن تولى الحُكم كانت البرازيل واحدة من أفقر دول العالم لكنهُ لم يغادر منصبهُ إلا وقد وضعها ضمن أقوى ثمانِ دول اقتصاداً في العالم باحتياطي مالي بلغَ 200 مليار دولار رغم أنهُ لم يكن يحملُ أية شهادة جامعية إذ ترك الدراسة في السنة الخامسة بسبب فقر عائلته المدقع ولم يترك عملاً إلا ومارسهُ ابتداءً من مساحٍ للأحذية وعاملٍ في محطةٍ للوقود وميكانيكي سيارات. المرة الأولى التي ذكّرني فيها “أوباما” في خطابِ وداعهِ الأخير بالرئيس البرازيلي السابق “دا سيلفا” حينما خاطبَ “أوباما” الآلاف من الحاضرين بقولهِ “يا لها من فكرةٍ جسورة مَنحها لنا الآباءُ المؤسسون للحرية والسعي وراء الحلم لتحقيق الهدف السامي”..وهنا بدأ الحاضرون يهتفونَ لهُ بالبقاء في السلطةِ لأربعِ سنواتٍ أخرى لكن “أوباما” أجابهم بسرعة “لا أستطيع ذلك”..وهي ذاتُ الكلمات التي قالها “دا سيلفا” للملايين من أنصارهِ ومحبيهِ الذين تجمهروا قربَ القصر الرئاسي وحاولوا ثنيهُ عن مغادرةِ سدة الحكم بعد انتهاءِ فترة رئاستهِ الثانية حتى لو تطلبَ الأمر تبديل فقرة مدة بقاء رئيس البلاد في الدستور البرازيلي كي يبقى معهم فترة أطول لكنهُ رفضَ طلبهم هذا بشدةٍ وقال لهم وعيناهُ تغرقان بالدموع ما قالهُ أوباما تماماً : “لا أستطيع ذلك” ثم غادرَ القصر الرئاسي فقيراً كما دخلهُ أولَ مرة ..وربما كان ذلك هو الفارق الأبرز بين الرجلين بعد مغادرتهما السلطة لأن “أوباما” سيغادرُ البيت الأبيض في العشرين من الشهر الجاري ليسكن قصرهُ الفخم في واشنطن بينما اقترضَ “دا سيلفا” بعد بضعةِ أشهرٍ فقط من مغادرتهِ الرئاسة من أصدقائهِ أموالاً ليصلحَ بها منزلهُ المتواضع وهو الذي انتشلَ البرازيل من أنيابِ الفقر بعزمهِ وإرادتهِ وجعلَ منها ثامن دولةٍ اقتصادية في العالم..هو درسٌ إنساني كبيرٌ ورائع لكنني أكادُ أقفُ حائراً تماماً إلى ذلك العددِ الكبير الذين يتوجبُ عليَّ أن أوجهَ إليهم ذلك الدرس  بالفعل!
أما المرة الثانية التي ذكّرني فيها “أوباما” بالرئيس البرازيلي السابق “دا سيلفا” فكانت حينما بكى “أوباما” بالفعل وهو يتوجهُ بخطابهِ إلى زوجتهِ “ميشيل” وابنتيهِ ونائبهِ بشيءٍ من الحميمية الدافئة..تذكرتُ “دا سيلفا” من جديد لأنهُ كان معروفاً أيضاً بتكرار حالاتِ بكائهِ أثناء فترة حكمهِ إذ سجلَ التاريخُ مراتٍ عديدة أجهشَ فيها بالبكاء أمام عدسات الكاميرات ولطالما وصفتْ دموعهُ بأنها قريبة دائماً وأظن أن بإمكانهِ أن يُنافسَ “أوباما” في ذلك بقوة..
وكانت إحدى حالات بكائه المشهورة التي تحدثَ عنها العالم كلهُ في حينها وعلقت في ذاكرتي هي حينما فاز بانتخابات عام 2002 بعد ثلاث خساراتٍ انتخابية..كانت تلك لحظة مؤثرة بالفعل ذرفت عينا “دا سيلفا” فيها دموعاً ساخنة وهو يقول بحزنٍ واضح “خسرتُ في تلك الانتخابات لأن بعضَ الفقراء لم يكن لديهم ثقة فيَّ آنذاك”..أما بالنسبة لأوباما فقد لاحظتُ أن دموعهُ كانت قريبة طوال زمن الخطاب وبالكاد تمالكَ نفسهُ لكن دموعهُ نزلت أخيراً بعد أن ذكرَ أسم زوجتهِ وقال “ميشيل ..طوال الخمسة والعشرين سنة الماضية لم تكوني زوجتي وأم أبنتيَّ فحسب بل كنتِ أفضل وأقرب صديقٍ لي ولعبتِ دورا لم تبحثي عنهُ ولكنكِ أديتهِ بكل صدقٍ وإخلاص”..وفي تلك اللحظة تماماً مسحَ “أوباما” دموعهُ التي انهمرت على خدهِ بمنديلهِ الأبيض ثم تابعَ بصعوبةٍ واضحة “وجعلتِ من البيت الأبيض قِبلة لكل الأميركيين”..بعد ذلك خاطبَ ابنتيهِ بقوله “ماليا وساشا..في ظل أغرب الظروف أصبحتما شابتين ذكيتين وجميلتين ومليئتين بالعواطف..حملتما عبءَ سنواتٍ تحت الأضواء وأنا فخور أن أكون والدكما”..ثم وجهَ كلامهُ أخيراً إلى نائبهِ “جو بايدن” بقولهِ “كان قرارُ اختياركَ كنائبٍ لي هو أول وأفضل قرارٍ اتخذته”.  لكن قبل أن يحدث هذا كلهُ أي قبل أن يبدأ “أوباما” خطابهُ الأخير وبمجرد أن صعدَ إلى مسرح ساحة “ماكورميك” في ولاية “إلينوي” أمام عشرين ألف من أنصارهِ ومحبيهِ سألتُ نفسي: ماذا يمكن حقاً لرئيس أكبر دولةٍ في العالم أن يقولهُ لمودعيهِ في خطابهِ الأخير قبل أن يغادرَ سدةِ الرئاسة إلى الأبد؟ وربما هو ذات السؤالِ الذي خطرَ في رأسِ “أوباما” أيضاً..هو الخطابُ الأخير لهُ كرئيسٍ لأميركا على أيةِ حال لذا لا يجبُ أبداً أن يكون محاضرةً سياسية ثقيلة الدم..ليس هذا بالتأكيد وقت الخطب الحماسية ولا التنظيرات السياسية التي تصدّعُ الرؤوس..وبالفعل حينما بدأ “أوباما” يسترسلُ بالكلام لاحظتُ بوضوحٍ تلك اللمساتِ العاطفية الدافئة التي هيمنتْ على لغةِ الخطاب الأخير كله..كان الأمرُ مقصوداً تماماً إذ حاولَ “أوباما” أن يتركَ أثراً طيباً عند الأميركيين بأجمعهم سواء أكانوا من أنصارهِ أو معارضيه. وبخطوةٍ لم تكن تخلو من التفاتةٍ ذكية كانت لها دلالتها لم ينهِ “أوباما” خطابهُ الأخير من دون أن يُعيدَ إلى أذهانِ الأميركيين شعارهُ الانتخابي الذي بدأ بهِ حملتهُ الرئاسية الأولى قبل ثمانِ سنوات وقادهُ إلى الفوزِ برئاسةِ أكبر دولةٍ بالعالم فقال مخاطباً الأميركيين “نعم نحن قادرون”!
ولأن كل شيءٍ يخضعُ في أميركا للغةِ الأرقام والإحصاء لم يمر بكاءُ “أوباما” مرورَ الكرام ففي اليوم التالي مباشرة قرأتُ خبراً طريفاً أحصى بالتفصيل تلك المراتِ التي ذرفتْ فيها عينا “أوباما” وسجلتها عدساتُ الكاميرات طوالَ فترةِ توليه لرئاسةِ أميركا..ضحكتُ وقلتُ: حتى دموع الرؤساء يمكن أن تدخلَ في سجلاتٍ إحصائية؟ لكن من يدري فربما يدخل “أوباما” فعلاً موسوعة غينيس كأحدِ أكثر رؤساءِ أميركا بكاءً أمام الناس.. كان الخبرُ يسردُ بالتفصيل تلك المراتِ الأربع عشرة التي بكى فيها “أوباما” طوال ثمانِ سنوات أي بمعدلِ مرةٍ كل سبعةِ أشهر كان أولها عند وفاةِ جدتهِ أثناء انتخابات عام 2008 وآخرها في خطابِ الوداعِ الأخير.
تتغلبُ المشاعرُ الإنسانية على مشاعرِ السياسةِ حتماً في مناسباتٍ مصيرية عصيبة مثل هذهِ لكنها تكادُ تختلط مع بعضها بشكلٍ فوضوي بحيث يصعبُ الفصل بينها أو السيطرة عليها وربما يتعذرُ تفسير ذلك بشكلٍ دقيق حتى من قِبل علماءِ النفس أنفسهم لأنها تكاد تتوزعُ بين الحزنِ والفرحِ وضغوطاتِ السياسة والشعورِ بثقلِ المسؤولية وربما الأسف والندم واحتضارِ الأحلام أيضاً..كل هذهِ المشاعر المتناقضة التي تعتملُ في النفس يضيقُ بها المكان فتحاولُ أن تجدَ لها طريقاً آمناً للهروبِ إلى الخارج.. لكنها وبلحظةٍ واحدة تخرجُ عن السيطرةِ تماماً وتنفجرُ بشكلٍ عشوائي لتتدفقَ مرةً واحدة على شكلِ دموعٍ ساخنة يصعبُ إيقافها أبداً.
ما بين خطاب فوز “أوباما” بالرئاسةِ في حديقة “غراند بارك” عام 2008 وخطاب الوداعِ الحزين في ساحةِ “ماكورميك” ثمة ثمان سنواتٍ كاملة امتلأتْ بأحداثٍ كبرى كثيرة اختصرَتْها تلك الدموع التي ذرفتها عينا “أوباما” في بضعةِ لحظاتٍ فقط..دموعٌ لم تتجاوز بضعة قطراتٍ ساخنة لكنها ربما تولتْ أيضاً واجبَ تذكير الجميع بأن أية بدايةٍ مهما كانت سعيدة لا بد أن يكون لها نهاية حزينة في يومٍ ما وإن زهوَ الزعامةِ وهيبتها وسطوتها حتى وإن كان مبعثهُ التربع على عرشِ أكبر دول العالم قاطبة لكنها تظل محضَ صفاتٍ زائلة لا محالة.. تماماً مثل أي شيءٍ آخر في هذهِ الحياةِ القصيرة.

التعليقات معطلة