تشارلز لين
في الوقت الذي تلوح فيه بوادر أزمة أخرى في شمال شرق آسيا، هناك نصيحة يقدمها الخبراء، وهي: لا تراهنوا ضد كوريا الشمالية، ففي الشؤون الدولية كما في شؤون الحياة، يمكن لوضوح الهدف أن يمثل ميزة هائلة لمن يمتلكه، ومن بين كل الأطراف المنخرطة في هذه الأزمة، التي تبدو بلا نهاية، نجد أن نظام بيونج يانج، قد يكون هو فقط الذي يمتلك هذه الميزة.
في مقابل الهدف الوحيد الذي لا يمكن لنظام كوريا الشمالية أن يحيد عنه وهو السعي للبقاء في السلطة بأي ثمن، نجد أن الولايات المتحدة لديها مصالح متعددة، وربما متناقضة في بعض الأحيان، فمن الواضح أنها تريد إزالة تهديد أسلحة كوريا الشمالية النووية، وتقنيتها الصاروخية، كما تريد أن تسود حقوق الإنسان في ذلك البلد، ولكنها في الوقت ذاته، لا تريد أيضاً تحقيق هذين الهدفين من خلال المخاطرة بالحرب التي ستكون نتيجتها نصر فادح الثمن يطيح بعائلة «كيم»، ولكنه قد يؤدي في الوقت ذاته إلى مصرع عدة آلاف من الأميركيين، وإلحاق أضرار بالغة بكوريا الجنوبية الغنية، والديمقراطية.
وقد ظل الموقف الأميركي على هذا الحال، بصرف النظر عن الرئيس الجالس في البيت الأبيض، ولعل هذا تحديداً هو السبب، الذي جعل السياسة الأميركية في هذا الملف، تحت حكم الديمقراطيين أو الجمهوريين، تأخذ شكل دورة من التهديدات والمفاوضات، كلها كانت عقيمة الأثر في جوهرها.
وربما تكون الولايات المتحدة قادرة على أن ترسم لنفسها مساراً أكثر وضوحاً، لو كانت أهداف حليفتها كوريا الجنوبية على نفس المستوى من الوضوح والبساطة، التي تتسم بها أهداف جارتها الشمالية، ولكن الحقيقة أن موقف كوريا الجنوبية يفوق تذبذب واشنطن: فسيؤول ليس لديها شهية لخوض حرب ضد شقيقتها، بل وتخشى من أن التغير السلمي لنظام بيونج يانج قد يكبلها بأكلاف باهظة بسبب عملية التوحيد التي ستلي ذلك.
وليس هناك ما يدعو للدهشة إذن، أن نرى الزعماء الكوريين الجنوبيين وهم يعيدون التفكير بشكل دوري في احتمالات الانخراط الدبلوماسي مع أشقائهم، وفق ما يطلقون عليه «سياسة الشمس المشرقة»، والرئيس الكوري الجنوبي الجديد «مون جاي- إن» هو آخر رئيس ينطبق عليه ذلك.
ومن جانبها تخشى اليابان أيضاً كوريا الشمالية أكثر مما تخشاها الولايات المتحدة، وذلك نظراً لوقوعها بالكامل في مدى صواريخ بيونج يانج، ولكن طوكيو تمثل مع ذلك حليفاً إشكالياً، بسبب ماضيها كقوة احتلال غير محبوبة من قبل الكوريين. وهناك هواجس مماثلة أيضاً تتعلق بالصين، التي ينظر إليها على أنها الأمل في إنقاذ الاستراتيجية الأميركية في شبه الجزيرة الكورية من قبل إدارة الرئيس ترامب، وهذا الأمل ليس جديداً في الحقيقة حيث سبق لإدارة باراك أوباما أيضاً أن تمنت على الصين أن تمارس ضغطاً كافياً على بيونج يونج، لإقناعها بالتخلي عن أسلحتها النووية.
وعلى رغم غضب الصين الواضح من السلوك المتهور في بيونج يانج، فإنها ترتبط في الحقيقة بروابط وثيقة مع أسرة «كيم»، منذ أيام الحرب الكورية التي نزف فيها الجيش الصيني أنهاراً من الدم بالنيابة عن زبونه «كوريا الشمالية»، وهذه الالتزامات لا يمكن التخلي عنها بسهولة، وخصوصاً إذا كان هذا التخلي سيقود في نهاية المطاف إلى كوريا جديدة موحدة، وديمقراطية وحليفة للولايات المتحدة، على حدود الصين مباشرة.
وبالنسبة لجار كوريا الشمالية الأخير وهو روسيا فقد كانت سبباً في خلق هذه الأزمة في الأساس، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وحرمان بيونج يانج من الدعم العسكري والاقتصادي الذي كان يقدمه، مما أجبر النظام الكوري الشمالي على السعي لضمان البقاء من خلال الابتزاز النووي، ومع ذلك يمكن القول إن نظام الرئيس فلاديمير بوتين ليست له مصلحة في إيجاد حل نهائي للأزمة الكورية، فما دام النزاع الدائر لن يتحول إلى حرب فعلية، فإن موسكو قد تشعر بالسعادة لاستنزاف جهد الولايات المتحدة وتشتيت انتباهها بفعل هذه الأزمة.
وإذا كانت الخمسة والعشرين عاماً الماضية قد علمت ثلاثة أجيال من أسرة «كيم» شيئاً، فهو أن خصومها المحتملين منقسمون على أنفسهم، انقساماً لا علاج له سواء على المستوى الداخلي (أي داخل كل دولة على حدة)، أو بين بعضهم وبعض، وهو ما يعني أنهم سيتحملون التهديدات والابتزاز -بل والهجمات التقليدية الفعلية من آن لآخر على كوريا الجنوبية- بدلاً من صياغة الجهد الجماعي المطلوب لإنهاء هذا النظام مرة واحدة وإلى الأبد.