محمد عبد الجبار الشبوط
(الحلقة الخامسة)
تناولت برامج القوائم الانتخابية المبحوثة (دولة القانون، النصر، الفتح، الحكمة) بطريقة او اخرى قضية الاصلاح السياسي. وهذه خطوة الى الامام كونها تمثل إقرارا واعترافا بان الوضع السياسي الراهن بحاجة الى اصلاح. وهذا يستلزم تشخيص العلل والامراض بطريقة صحيحة وسليمة من اجل التوصل الى تحديد العلاجات المطلوبة. شخصت البرامج بعض العيوب مثل المحاصصة والتوافقية وإخضاع المسار التنفيذي للدولة للمسار السياسي والحزبي الخ. لكن هذه البرامج لم تشخص عللا اخرى في النظام السياسي وبعضها على درجة عالية من الأهمية.
احدى اهم خطايا النظام الصدامي البعثي هي احتكار السلطة من قبل الحزب القائد في البداية ثم من قبل القائد الضرورة. وعلى هذه النقطة كانت المعارضة العراقية ترتكز في تسويغ معارضتها للنظام. ولئن كان الحل يتمثل في اعتماد النظام الديمقراطي الذي يعني اعادة السلطة الى الشعب فان قوى المعارضة لم تكن على درجة واحدة من الوضوح في هذا الموضوع. كما ان الشعب المبتلى بالعقوبات الاقتصادية واستبداد النظام كان مشغولا بتوفير لقمة عيشه اكثر من انشغاله باستعادة سيادته.
فلما سقط النظام كان يفترض ان يكون الإجراء الاول هو اعلان سلطة الشعب. لكن ما حصل في ١٢ تموز ٢٠٠٣ ان القوى السياسية التي صارت تتحدث بلسان مكونات وليس بلسان برامج احتكرت السلطة عبر نظام معقد للمحاصصة. وحين حانت لحظة تصميم النظام السياسي وآلياته المفترضة، قامت الطبقة السياسية الجديدة ببناء نظامٍ للسلطة يضمن بقاءها بايدي أحزابها وهذا ما انعكس على قوانين الاحزاب والانتخابات التي اعتمدت من ذلك الوقت وصولا الى انتخابات هذا العام. عطلت هذه القوانين قدرة الشعب على التغيير والاستبدال. تم الغاء المعنى الجوهري للديمقراطية وهو التداول السلمي للسلطة دوريا عن طريق الانتخابات. لم تعد الانتخابات، بل لم يعد الشعب قادرا على التغيير من خلال الانتخابات. ومرة اخرى غفل الشعب عن هذا بسبب معاناته من سوء الخدمات والادارة والفقر والبطالة والجهل. اليوم، يعاني الشعب من اليأس والاحباط وفقدان الامل بالتغيير بسبب قانون الانتخابات الذي يحول دون تمكين الشعب من التغيير.
برامج القوائم الانتخابية المبحوثة أغفلت هذه النقطة بالكامل وكأنها من اللامفكر فيه. ثمة فقرة غير واضحة في برنامج دولة القانون تقول:»اعادة النظر في قانون الاحزاب الذي تم إقراره وتعديله ليلبي الاحتياجات العصرية الحديثة والواقع السياسي الجديد ويحاكي التنوع الاجتماعي والثقافي للشعب العراقي.» لا توجد إشارة الى قانون الانتخابات في اي مكان في البرامج المبحوثة.
يبدو ان الطبقة السياسية ترفض البحث في هذا الموضوع. والسبب واضح بيّن. فقد اكتشفت بعد عدة تجارب انتخابية الطريقةَ الأفضل للحفاظ على مكاسبها في السلطة، ولم تعد ترغب بتغيير ذلك. اما الدعوات الى الاصلاح فيمكن ان تشمل اي شيء ما عدا هذه المسالة. وهذه هي نهاية الطريق بالنسبة للعملية السياسية. هذا هو الطريق المغلق والأفق المسدود.
لا حل لهذه المعضلة الا باستبدال طريقة الانتخاب. من الانتخاب بالجملة الى الانتخاب بالمفرد. هذا هو طريق التغيير وبوابته. لا يمكن تصور اصلاح حقيقي دون المرور من بوابة الانتخاب الفردي ترشيحا وتصويتا وترك الانتخاب بالقائمة. البرامج المبحوثة لا تتطرق الى هذا الموضوع مطلقا. هذا رغم ان استطلاعات الراي الأولية تشير الى ان الأغلبية العظمى من الناخبين تفضل الانتخاب الفردي وليس الانتخاب بالجملة. واذا كان لهذه القوائم ان تذعن لارادة الناخبين وتعمل فعلا من اجل الاصلاح السياسي فان اول ما يتعين عليها عمله في برلمانها الجديد هو اقرار الانتخاب الفردي. تتحمل الطبقة السياسية الراهنة مساوىء النطام السياسي الحالي، بالشراكة مع الولايات المتحدة التي كانت سلطتها هي العليا في مرحلة التاسيس. وتتحمل هذه الطبقة المسؤولية السياسية والاخلاقية عن جعل عملية الاصلاح السياسي ممكنة.