طالب جاسم الاسدي
يمتاز الانسان عن سائر المخلوقات بالقدرة على الاخذ والعطاء أي التلقي والرد , وبتعبير اخر التعلم والتعليم , وذلك في مجال العلم والفكر , ان هذه الميزة لاوجود لها حتى عند الملائكة ( قالوا سبحانك لاعلم لنا الا ماعلمتنا ) .
فضلا عن بقية المخلوقات الحية من حيوانات وغيرها , فمن الممكن أن نعلم بعض الطيور وندربها على أعمال معينة وحركات مجددة كما يحدث مع بعض الصقور التي ندربها كيف تقتفي أثر الصيد , ولكن لو طلبنا منها أن تنقل هذه المعلومات الى بعض الصقور الاخرى لما كان بامكانها أن تفعل ذلك , وقل مثل ذلك في الخيل والدلافين , ذلك أن هذه الحيوانات تفتقر الى العقل الذي يمكن الانسان أن يتعلم ويعلم . ومن المعروف في عالم الحيوان أن هناك مايسمى بالكلاب البوليسية التي يدربونها على اقتفاء اثار اللصوص والمجرمين بل وحتى كشف المتفجرات مؤخرا نظرا لما تتمتع به من حاسة قوية للشم , وهذه الحاسة يستطيع الكلب بواسطتها أن يميز كل رائحة عن غيرها من سائر الروائح , لاسيما عند البشر , فمن عجيب صنع الله –سبحانه وتعالى –ان جعل كل أنسان يتميز عن غيره من الناس برائحة خاصة في بدنه , تماما كما ميز بينهم بالملامح في الوجه وبصمات اليدين التي يعتمد عليها الجنائيون في التعرف الى المجرمين واللصوص والمذنبين .
وعندما يبعث الله –سبحانه- الانسان من قبره يوم القيامة يعيد بناءه بكل تفاصيله حتى في الخطوط والبصمات ذاتها ( أيحسب الانسان ان لن نجمع عظامه ).
والاعجاز الالهي يكمن في أن كل أنسان يتميز ببصمات وخطوط تختلف عن سائر الناس , فلن تجد شخصين , ممن عبروا ولاممن هم موجودون ولاممن سوف يخلقون يمكن أن تتشابه عندهما هذه البصمات والخطوط .
ان مثل هذا الامر يحدث في الحياة الدنيا , فكيف بك في الاخرة لاسيما عند منكر ونكير وسائر الملائكة او عند الكتاب الذي لايغادر صغيرة ولاكبيرة الا احصائها و ان هذا الحيوان القادر على استخدام حاسة الشم عنده هو عاجز عن تعليم غيره من الكلاب كيف تتعلم وتتدرب , في حين أن الانسان يستطيع ان يتلقى المعلومات ثم يعيد تلقينها وتعليمها لغيره , ان الله –سبحانه- كرم الانسان بهذه القدرة وليس بمعدته وعضلاته وبصره , ففي عالم الحيوانات ماهو أقوى من الانسان وأقدر كالاسد مثلا وماهو اشد ابصارا منه كالهدهد على سبيل المثال لا الحصر , لقد كرم الله الانسان بأن سخر له كل الكائنات كبيرها وصغيرها , ومع ذلك قد تجد هذا الانسان في بعض الاحيان عاجزا حتى عن البعوضه ذلك المخلوق الضعيف , وعن البرغوث الذي هو أصغر منها . ومع ذلك فأن هذا الانسان الضعيف قد يرتقي في مدارج السمو والمنزلة اذا كانت علاقته بالله –سبحانه وتعالى – قوية ,على ان هذا الاتصال بالله لايكون الا على أساس من العلم , لاسيما ان الله قد ميز بين الذين يعملون والذين لايعملون فجعل العلماء أسمى منزلة وأفضل مرتبة , ولكن بشرط أن يوظفوا علمهم في سبيل الله .