عبده حقي
يطفو من حين لآخر على سطح منصة يوتيوب مخلوقات آدمية كاريكاتورية تدفع بها أياد خفية بعضها مدسوس لغايات فبركة إلهاء إجتماعي عام وبعضها الآخر يروم منها خلق ما يسمى بـ(البوز)، أي الحدث الإعلامي اليوتوبي الفائق والمستأثر بالرأي العام في فترة ما .
إنها مخلوقات تعيش في قعر الهشاشة وتنام على سرير الهامش وتقتات في صحون الإقصاء.. ما يجعل منها حالات متفردة في الوسط الاجتماعي لها ثقافتها الخاصة ولغتها اليومية المتفردة وردود افعالها المتميزة… هؤلاء كانوا إلى وقت قريب ينعتون ب(الشمكارة) أي تلك الفئة من الصعاليك والشحاذين الشباب المحلقين بأجنحة حبوب الهلوسة ومراهم السيليسيون . ومع هذا الانفجار المهول في منصة التواصل الاجتماعي يوتيوب وتعدد أدواره الإعلامية والثقافية والاجتماعية والسياسية وأيضا التطور الحاصل في تطبيقات الهواتف الذكية بات الولوج إلى عالم الشهرة والنجومية أمراً أيسر من جرعة ماء، يكفي فقط لكل صاحب هاتف سمارت فون أن يلم ببعض التطبيقات الرقمية وقواعد التسجيل والأرشفة والنشر ليصعد إلى خشبة المنصة ويتشدق بما يشاء ويتشاطر مع مجموعته وأقرانه في موقع فيسبوك بعض تسجيلاته بحثا عن هدف ما … لم يعد يوتيوب منصة للتعبير الحر والرصين وتوثيق لحظات مائزة وإنما صار منجما مدرا للأموال الباهضة التي لم يكن يحلم بها عديد من اليوتوبيين الفاشلين وذلك وفقا لمنسوب عدد المشاهدات الذي قد يصل عند بعض المحظوظات والمحظوظين إلى عشرات الآلاف بل الملايين … ولتحقيق ذلك عمد هؤلاء الأغبياء الأذكياء إلى البحث عن مفاتيح مغارة علي بابا والاصطياد في قعر المستنقع بحثا عن كائنات منسية يصنعون منها ضجة البوز بدل أن يصنعونها من أعمالهم الشخصية في مجالات تخصصهم الفني أو المهني والوظيفي ..إلخ
لقد اغتنى كثير من اليوتوبيين الأذكياء على ظهر يوتوبيين أغبياء جيئ بهم إلى عشرات الآلاف من الجماهير ليس لديهم من رصيد سوى حفنة من العبارات الساقطة والحركات والإشارات الرعناء والساخرة.. أحيانا يعمد إلى استفزازهم عن طريق كمائن أسئلة وأحيانا عن طريق النبش في اهتماماتهم وأوجاعهم . إنها كائنات قصيرة العمر وحياتها رهينة بنسبة المشاهدة التي قد تعلو إلى القمة في وقت ما لتندحر بسرعة إلى حضيض النسيان وإلى أن يشطبها من ذاكرة المجتمع ضحية أخرى يؤتى به لنحره وإعداد ولائم الفرجة من جسده المنهوك الذي ينخره دود البلادة . فكيف يصنع أذكياء يوتيوب من شاب فقير ومعدم نجما لا لشيء يميزه في عالم النجومية سوى أنه تحدث عن فيروس أنفلوانزا الخنازير (إن وان إتش وان) بطريقة بليدة وغبية جعلت منه أشهر حلايقي بامتياز على اليوتيوب..