Pdf copy 1

حواس محمود
يمر الإنسان الحر الذي يريد أن يعيش بعزة وكرامة، أي بمعنى ان يعيش انسانيته الكاملة دون اي نقص أو انتقاص من آدميته، بفترات عصيبة ومقلقة جدا في حياته، ولكن، وعدا عن الاهانات والمضايقات والملاحقات الأمنية ذات الجذر السياسي المحض، فإنه يتعرض الى مضايقات وضغوطات ذات طابع مادي بحت تتعلق بالحاجة المعيشية لتحقيق الاستمرارية والديمومة الآدمية. ومنذ فجر التاريخ كانت كرامة الانسان العامل تنتهك وبالرغم من الثورات والانتفاضات العمالية في اكثر من بقعة من العالم وبخاصة في الدول المتقدمة ونيله لحقوقه في تلك الدول، الا ان العامل أو الموظف لدى قطاع الدولة أو القطاع الخاص في العالم العربي والشرق اوسطي لا يزال يتعرض للانتقاص من كرامته والاهانة والابتزاز تحت ضغط الحاجة المادية واعالة افراد اسرته. 
ان الانسان الحر يعيش قلقا داخليا سيكولوجيا كبيرا من جراء ممارسات الادارات التي تجهل العمل الاداري الناجح والتي تتحكم في لقمة عيشه، وهو بحد ذاته يرفض –فكريا- كل هذه الممارسات الابتزازية، لكنه يقبلها –عمليا- على مضض خوفا على فقدانه امكانية اعاشة افراد اسرته وخوفا من اللجوء الى الآخرين بالسؤال وطلب المساعدة، لذلك فهو يقع في تناقض ومأزق كبير ذي جذر ثنائي هو الكرامة / الحاجة.. الكرامة تدفعه لرفض ابتزاز واهانات المدير والادارة في الشركة او المؤسسة التي يعمل بها، أما الحاجة فتدفعه لقبول نفس هذا الابتزاز تحت ضغط هذه الحاجة، وهنا يعيش هذا الانسان معاناة نفسية داخلية صراعية بين طرفي المسألة  التناقضية، فهو أمام خيارين أحلاهما مر –كما يقولون– وبالتالي امام معادلة من الصعب ايجاد التوازن بينهما، انها معادلة ذات طرفين متناقضين متضادين احدهما نقيض للآخر وهو في النهاية يختار رغم صعوبة الاختيار، يختار الكرامة رغم أن هذا الاختيار يفضي به الى الفقر والحاجة والعوز والبحث من جديد عن عمل آخر لدى شركة أو مؤسسة أخرى، والسؤال هو لماذا هذه المؤسسات والشركات وبخاصة في المنطقة العربية والشرق أوسطية تعين مدراء فاشلين اداريا من خلال ما يتبدى من سلوكهم وتعاملهم الفج مع موظفيهم والتفكير دائما بمنطق اخذ الواجبات من الموظف وحجب الحقوق، ان سلوكهم هذا من شأنه الاضرار بالعملية الانتاجية لأن العمل تحت أجواء الخوف والقمع وتسليط سيف التهديد بفصله من العمل او قطع راتبه لفترة زمنية، لا يعطي انتاجا جيدا كما هو الحال عندما ينتج الموظف بأجواء مريحة ومحفزة، ان هؤلاء المدراء يتسببون دوما بإقصاء الكوادر المنتجة المبدعة المعطاءة والامثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى. ان العديد من المدراء يتصرفون في الادارات والعاملين وكأنها ممالك خاصة بين أيديهم وهم لا يتعرضون لا للرقيب ولا للحسيب، ولعل أحد أهم أسباب الفساد والتخلف في بلدان المنطقة -حيث تسود الأنظمة الدكتاتورية- هو موضوع التعيينات الكيفية الاعتباطية والمزاجية سواء في القطاع الخاص أو العام، ناهيك عن الرشاوي والصفقات المشينة التي تجري في الغرف والدهاليز المظلمة. 

التعليقات معطلة