محمد عبد الجبار الشبوط
لفت نظري مقال الاخ الاستاذ عامر بدر حسون عن غياب كلمة «الحرية» في ملف مجلة «الثقافة الجديدة» المعنون «عشرون عاما على الحرب والاحتلال» الذي شارك فيه كتاب معروفون في الساحة الاعلامية والثقافية العراقية. عنوان الملف لا يشي فقط بمضمونه وانما الى رؤية المجلة لحدث سقوط نظام صدام حسين، ايضا، وهو الحدث الذي كانت تتمناه وتعمل له المعارضة العراقية على الاقل حتى لا اقول اغلبية الشعب العراقي فأُتهم بالتعميم. لكنه كان حدثا مفرحا على الاقل لغير البعثيين ولغير المرتبطين بهم من العراقيين.
ثمة رؤيتان للحدث اذاً. احدى الرؤيتين تمثلها المجلة وهي رؤية «الحرب والاحتلال»، وهي الرؤية المتشائمة كما ازعم. لانها لا ترى سوى الحرب والاحتلال، غافلة الطرف الثاني في المعادلة وهو الحرية.
والرؤية الثانية التي سوف ارشح نفسي لتمثيلها وهي الرؤية المتفائلة، التي ترى في الحدث تحررا من نير العبودية الطوعية او المفروضة لصدام حسين ونظامه الدكتاتوري.
لا اغفل ان المسافة كبيرة بين الاحتلال والحرية. وليس بوسعي القبول بالاحتلال، كما انه ليس بوسعي عدم قبول الحرية. وبين هذا وذاك يكون عليّ ان اوازن موقفي واتعامل مع الحدث الكبير. لا تغفل هذه الرؤية طرف الحرب والاحتلال وما فيهما من مساويء ومكاره وآلام:»كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ». ولم يكن لدينا يد في هذه الحرب، فهي امر كان خارج ارادتنا في كل الحالات والاعتبارات. لكني لا استطيع ان اغفل احدى نتائجها العرضية او المقصودة وهي اسقاط النظام الدكتاتوري، واسقاط اي نظام دكتاتوري في اي بلد هو معادل موضوعي للحرية. لان الامر ببساطة هو ان الحرية نقيض الدكتاتورية. لكن هذا الامر متعلق بالوعي. سالت مديرا لاحد مصانع وزارة الصناعة بعد اشهر قليلة من سقوط النظام عن اي الحالين ، قبل ام بعد سقوط النظام. فقال لي: الوضع قبل سقوط النظام كان افضل. قلت له لماذا؟ قال في السابق كان لدينا عمل، والان بدون عمل. لا اكتم القاريء انني فوجئت بهذا الجواب. كنت اتصور ان يكون عامل الحرية هو المعيار الاساسي في التفضيل. تملكني احساس بان الرجل لا يهتم لمسألة الحرية. تفسيري العاجل للامر، مستبعدا ان يكون الرجل بعثيا، ان الرجل تعود على الحياة في ظل الدكتاتورية بحيث لم يعد يملك احساسا قويا باهمية وضرورة الحرية. بمرور الزمن، وبعد استمرار تردي الخدمات بما فيها الكهرباء وظهور مفاسد وسلبيات نظام المحاصصة الطائفية وتعاظم الشعور بالخيبة عند عامة الناس بدأت المس عند الكثير ممن القاهم او اقرأ تعليقاتهم في التواصل الاجتماعي حنينا للماضي (حيث الدكتاتورية وقوة السلطة) اكثر من شغفهم بالحاضر حيث الحرية (المصحوبة بالفوضى والفساد).
لا اكتم القاريء مثّل عندي هذا انقلابا في المشاعر. قبل استيلاء البعثيين على السلطة عام ١٩٦٨ كنا نتلقى في المدرسة ونحن صغار افكارا تجسدها مقولات مثل: ليس بالخبز وحده يحيا الانسان، وللحريّة الحمراء باب بكلّ يدٍ مضرّجة يُدقّ، واذا الشعب اراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر. كبرنا وكبر معنا حب الحرية والتعلق بها، وبالمقابل رفض الدكتاتورية والاستعباد والعبودية. ولا استبعد ان الزملاء الذين كتبوا ملف «الثقافة الجديدة» نشأوا مثلي على هذه الافكار، لان اعمار بعضهم مقاربة لعمري. لكن شيئا ما حصل قلل منسوب الشغف بالحرية عندهم، وهذا الشيء كما يردده الكثير من الناس اليوم هو ما يسمونه «فشل التجربة الديمقراطية» بعد عام ٢٠٠٣. ايضا لا اخفي القارئ ان اشارك الناس اعتقادهم بان التجربة الديمقراطية فشلت، وما لدينا الان ليس ديمقراطية انما نظام يسمى في الادبيات الديمقراطية باسم الاوتوقراطية الانتخابية، وهو ليس من فروع او انوع الديمقراطية. لكن هذا لا يعني اننا لسنا احرارا. لو لم نكن نملك حرية حصلنا عليها بعد وبسبب سقوط النظام الدكتاتوري، لما كان بمقدور مجلة «الثقافة الجديدة» ان تنشر ملفها موضوع هذا المقال، ولما كان بمقدوري كتابة هذا المقال ونشره في داخل العراق!

