المستقبل العراقي/متابعة
 يجهل العديد من طلبة الجامعات الجهد الحقيقي الذي لابد أن يبذلوه حتى يتمكنوا من اجتياز سنوات الدراسة الأربع، معتقدين أن مجرد حضورهم للمحاضرات كاف، وإن كانت الدرجات لا تؤهلهم لاجتياز فصل التخرج، حينها يبدأون “بتشغيل” الواسطات، وتقديم كل وسائل الرجاء للهيئة التدريسية لينالوا “النجاح”!واكتشف “أحمد .س “طالب السنة الرابعة في إحدى الجامعات الاهلية، وقبل بدئه بالامتحانات النهائية، أن تجميعه في إحدى المواد لا يؤهله للنجاح في مساق معين، الأمر الذي شكل له قلقا وخوفا كبيرين، خصوصا بعد إعلانه أمام أقاربه بأنه خريج لهذا العام.يقول “يجب أن يكون هناك تعامل خاص مع الخريجين والتعاطف معهم”، لافتا الى أن الطالب الخريج يشعر بحالة من التراخي والتقاعس في السنة، وهو ما لا يأخذه المدرسون بعين الاعتبار.
ويتابع أحمد، أن مساعدة الهيئة التدريسية للطلبة الخريجين على اجتياز الامتحانات لا تسبب الضرر لأي أحد آخر، واصفا مثل هذا الأمر بفعل الخير!
في حين لم توفر عائلة الطالب مروان جهدا في البحث عن “واسطة تمون”، وفق قوله، على دكتور أحد المساقات التي يدرسها ابنهم والتي تتطلب نجاحه فيها حتى يتخرج من الجامعة.ويروي والد مروان استياءه من هذا الدكتور، واصفا تمسكه برفضه منح ابنهم علامات، بالظلم، قائلا “هو شنو يخسر لما ينجح ابني”.وما يزيد الطين بلة هو اعتقاد والد مروان بأن الدكتور “متقصد ابنه”، غافلا عن سؤاله بسبب تقصيره في دراسته وسبب وصوله إلى هذا الحد.
الأمر مع الطالب نورس أخذ منحى آخر، فقد قام ووالده بالبحث عن أحد الأشخاص المسموعة كلمتهم حتى يضغط على مدرسه حتى يتمكن من النجاح والحصول على شهادة بدون أن يضطر إلى إعادة المادة والتأخر عن وجبته في التخرج.الخوف من شماتة الأقارب و”تعليقات” الجيران هو ما دفع عائلة الطالب معاذ للذهاب إلى أعضاء الهيئة التدريسية وتقديم الرجاء من أجل رفع درجات ابنهم حتى يتمكن من الوصول إلى المعدل الذي يمكنه من التخرج، خصوصا أنه قد أمضى خمسة أعوام في الجامعة ولابد له أن يتخرج.
تجاوب بعض أعضاء الهيئة التدريسية مع الطالب ورفع معدله جعل عائلة معاذ تعتقد أن ما يطالبون به هو حق لابنهم الخريج، متجاهلين تقصير ابنهم طوال السنوات الأربع وكأنهم لم يعلموا بأمر المعدل إلا عند التخرج.
ما زاد الأمر سوءا، وفق العائلة، هو رفض أحد أعضاء الهيئة التدريسية رفع معدل معاذ في مادته، الأمر الذي يتسبب في تأخير تخرجه رغم الواسطات العديدة والمتكررة التي كانوا يرسلونها للدكتور.بيد أن إصرار الدكتور على رفض رفع معدله واعتبار إخفاقه في الجامعة مسؤوليته وحده ولابد من أن يتحمل وزرها، جعل معاذ وعائلته يسعون للانتقام من الدكتور صاحب المبادئ والقيم!
بدوره، يشير اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين محمود، من منظور تشخيصي ومجرد، إلى أن مفاهيم بعض الأسر عن التعليم أصبحت ذات بعد واحد، وهو النجاح دائما، وخطورة هذا الأمر تجعل الأهل لا يقدرون وجود فوارق فردية بين الأبناء.
ويلفت إلى أن فكرة الحصول على شهادة أصبحت فعلا تحصيليا، كل ما تحتاجه من الطالب هو مروره بعدد من السنوات بدون الاهتمام بما يقدمه الطالب أو يستوعبه من دراسته.ويمعن بعض الأهل، وفق محمود، في اعتقادهم أن الغش وتعميق قيمه هو سلوك مقبول وكأنهم يتحدثون عن حدث نبيل مطلوب تحقيقه بغض النظر عن الوسيلة، فيتشرب الأبناء هذا الاعتقاد وتكون النتيجة ضعف البنية التعليمية، معتبرا هذا الأمر خللا في البيئة التعليمية يتشربه الأبناء ويستثمره الآباء في سبيل الحصول على الشهادة.
المؤلم، من وجهة نظر محمود، هو ليس السعي إلى الواسطات من أجل النجاح فحسب وإنما طلب الحصول على معدل عال، معتقدين أن هذا الأمر هو حق للطالب.
ويشير محمود، ومن خلال ما يعكسه الحال في الجامعات، إلى أن المؤسسات الجامعية لم تعد تمتلك كريات دم بيضاء لتقف ضد أمراض المجتمع وتأثيرها، وتحولت بعض المؤسسات التعليمية لبناء المجتمع وتطويره إلى مؤسسات مريضة ليست لديها حصانة في ظل الوساطة الجهوية والأمراض الأخرى الوافدة من المجتمع.
ويقول :“إن عضو الهيئة التدريسية لم يعد قادرا على تحصين نفسه وأصبح مقيدا”، لافتا إلى أن وجود الجامعات خارج العاصمة وتكلس دورها وتحنيطه، جعلاها تصبح كمدرسة ثانوية لا أقل ولا أكثر، معرجا على امتحانات الكفاءة التي أصبحت أضحوكة مؤلمة.تراجع دور الجامعات المحوري، بحسب محمود، قلل من هيبتها، وأصبح النجاح تحصيل حاصل، مكتفيا بالنظر بعلمية إلى أن الدولة عندما تريد أن تقوم بإعادة هيبة امتحان الثانوية العامة أصابت الجامعة بقلق كبير وتوتر إلى أن تقوم الحكومة أيضا بتصويب وضع الجامعات وإعادة الهيبة لها، خصوصا بعد تحول الجامعات إلى مؤسسات تشغيل لمن ليس له عمل بضغوط من شتى الجهات.
يقول “نحن بحاجة إلى قرار سياسي يعيد الهيبة للجامعات كما أعاده للثانوية العامة بدون تلكؤ”.
اختصاصي علم التربية والإرشاد النفسي ، الدكتور منذر السعدي، لا ينكر وجود العديد من الطلاب الذين يقضون أربع سنوات من الجامعة وعند التخرج يبدأون بالبحث عن الواسطة وتدخل الأقارب والمعارف مع مدرس المادة.
وتكمن المشكلة الكبرى، وفق السعدي ، في اعتبار الطالب نجاحه في فصل التخرج حتميا، محملا المسؤولية لبعض الأكاديميين في ترسيخ هذا الفكر عندهم من خلال استجابتهم وإيحائهم للطالب أن الخريج مطلوب منه أقل حد من الأداء الأكاديمي.
ويردف أن الخريج يجب أن تكون لديه حصيلة تعليم لأربع سنوات، ويفترض به أن يكون سندا للأكاديمي يساعده في تقديم المعلومات لمن يصغرونه علميا.

التعليقات معطلة