محمد الكاظم
الحديث عن صراع المحاور والأهلة “جمع هلال” ليس جديدا، فالمنطقة تعيش صراعا لم يعد خافيا على احد. وقد انتقل الصراع الطائفي من كتب الفقه الى صفحات الانترنت، ومن المساجد والتكايا والحسينيات ومؤسسات الدعوة الى “اليوتيوب” المعبأ بالشتائم المتبادلة، ومن “عنعنة” اهل الحديث وحلقات الدرس وحديث المنابر الى أزيز الرصاص وصراع الارض وشطحات راسمي الخرائط.الخلاف الذي كان مضمرا منذ قرون تحول الى امر جدي عند المخططين الستراتيجيين منذ عقود، لكن الحديث عن تطبيقات صراع الأهلة بدأ فعلا عندما تحدث رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير قبل سنوات عن ما اسماه “القوس السني” الذي ضرب على وتر دفين في العقل العربي الذي سارع فورا الى اطلاق مصطلح “الهلال السني”. قابله ملك الاردن بتحذيره من “هلال شيعي” لتعيش المنطقة في ظلال صراع هلالين. راسمو السياسات الخليجيون كانت تهيمن عليهم فكرة الكماشة التي يصنعها هلالان احدهما شيعي يفترض ان يضم ايران والعراق وسوريا ولبنان ويمكن ان يمتد ليشمل في ذراعه الاخرى زيدية اليمن مرورا بالبحرين وقطر وجزء من السعودية. بمقابل هلال سني تصورته تركيا القلقة من الجار الايراني فرسمت هلالها الخاص الذي يبدأ من تركيا ويمتد ليشمل البلدان التي وصل الاخوان المسلمون الى سدة الحكم فيها بعد موجة ما سمي بالربيع العربي حيث كانت خارطة تواجدهم وقتها تضم فلسطين ومصر وليبيا وتونس.وهذا السيناريو جعل من سوريا والأردن نقطة الوصل اللازمة لتحقيق طموح الهلال السني ذي النكهة التركية.ازاء التصورات الاولية لهذين الهلالين شعرت دول الخليج انها مهددة وأنها ستقع بين كماشة هلالين، هلال شيعي يعتمد على ديناميكية الايرانيين وبراغماتيتهم وجاذبية شعاراتهم ، وهلال سني يعتمد على مركزية الاتراك وفعالية الاخوان المسلمين وحسن تنظيمهم، وللمصادفة فان تيار الثورة الاسلامية الايرانية وتيار الاخوان المسلمين كانا حليفين لعقود طويلة، وكانت دول الخليج تحديدا تلاحق عناصرهما وتمنع اي تواجد لها في بلدانها وتضيق عليهما، وكانت تعتمد في حماية نفسها عسكريا على نظرية حارس البوابة الشرقية، وكان صدام يلعب هذا الدور بحماقة طوال سنوات، كما كانت تتعاطف سرا من جهة اخرى مع القادة الذين كانوا يقمعون الاخوان كجنرالات مصر من عبد الناصر الى السادات الى مبارك.اما في الجانب الفكري والعقائدي فقد كانت دول الخليج تحمي نفسها بدعم خفي من متشددي السلفية والتيارات التي تكفر كلا من الشيعة والاخوان. وهذا الدعم الخفي كان هو الخميرة التي انتجت الظاهرة الداعشية التي يرى البعض انها تلعب الآن نفس الدور الذي كان يلعبه صدام بالنسبة للخليج. لذلك ليس غريبا هذا التحالف بين بقايا البعث وعناصر “داعش”، فبالرغم من وجود اشواط من الاختلاف الفكري بين متبنيات الفريقين. إلا ان اموال ومصالح بعض دول الخليج واهمها السعودية هي التي ساهمت في اقامة هذا الزواج غير الشرعي بين علمانية البعث ومنهجية التكفيريين لتنتج النسخة الاكثر بشاعة وتوحشا على صعيد التنظيمات الارهابية. ورغم ان دول الخليج لم يعهد عنها الميل الى الحلول العسكرية المباشرة في سياستها الخارجية الا ان شعورها بأنها اضحت بين فكي كماشة تخشاها. اضافة الى ان الشعارات البراقة التي رافقت ما عرف بالربيع العربي بدأت تطرق ابواب قصور الممالك الخليجية، ما جعل دول الخليج والسعودية تحديدا بحاجة الى استعارة قضية، بمعنى ان حوار الديمقراطية وحوار السلطة بدل ان يتحول الى سجال محلي في السعودية فانه قد يقود الى الاطاحة بنظامها اذا لم تجد المملكة الهرمة من حل سوى نقل الصراع الى اماكن اخرى. وهي فرصة لتفريغ شحنات الغضب السلفي في اماكن بعيدة عن القصر الملكي، وبدل ان يناقش الليبراليون صلاحيات الملك وعائلته، او يعمل القاعديون و”الشرعيون” على تكفيره، صار الامر يسير باتجاه تجييش القوى المتطرفة لتطبيق الشريعة في دول الربيع العربي. ولهذا السلوك السياسي لدى المملكة اكثر من دافع اولها حشد المشاعر المتطرفة لإخافة ليبراليي الداخل وناشطي الاقليات وساخطي القصر، وكسب ود المتطرفين وتوجيه انظار المتطرفين الى الخارج بدل ان يركزوا على مؤسسة الحكم، وتحييد الاتراك بالتحالف معهم تحت العنوان المذهبي، ومحاربة الايرانيين تحت نفس العنوان، وتشكيل تحالف اقليمي تكون الرياض محوره لعرقلة طموح الهلالين المتنافسين، اضافة الى استعادة دور الوكيل الاقليمي للولايات المتحدة الذي بدأت تتنافس عليه اكثر من عاصمة عربية واقليمية، فضلا عن عرقلة الديمقراطية الناشئة لدى الجار العراقي الذي بلغ الحماس بسياسييه انهم وصفوا تجربتهم في اول ايام ولادتها بأنها ستكون منارة للديمقراطية في المنطقة وهي تصريحات تقلق الرياض التي لا تكره شيئا اكثر من كلمة “ديمقراطية”.الرياض تعيش واحدة من اسوأ كوابيسها هذه الفترة، فمن جانب تعيش السعودية حربا مفتوحة على الساحة اليمنية، ولم تنجح بالحفاظ على علاقتها بواشنطن وظهرت الكثير من الاشارات الى ان الرياض لا تحظى بموافقة اميركية على تصرفاتها، وبدأ حلفاؤها يتناقصون بعد انحسار موجة الربيع العربي التي استثمرت فيها السعودية كثيرا ومنيت بالخسارة. ومن الواضح ان شروط اللعبة تغيرت اليوم، فالمنطقة مقبلة على تغيرات مهمة مع تغير معطيات المعادلات التي تتحكم في الإقليم، مثل الانتباهة الدولية المتأخرة لخطر تنظيم “داعش” الارهابي والاحساس بالعلاقة غير النزيهة بين هذا التنظيم وبين بعض دوائر صناعة القرار الخليجي، اضافة الى توسع الطموح الداعشي لدرجة اصبحت تقلق العالم، وتراجع الدور التركي بعد الخسارات التي مني بها المنهج الاردوغاني في تركيا ، وخارجها ايضا ، خصوصا بعد الانكسارات التي تعرض لها الاخوان المسلمون في مصر وتونس وغيرها. اضافة الى اقتراب طهران من توقيع اتفاق حول ملفها النووي مع المجتمع الدولي. هذه المعطيات ستسهم في تغيير مناخ المنطقة السياسي وستوجد معادلات قوى جديدة على المملكة الهرمة ان تفهمها وتغير سلوكها السياسي باتجاه تحقيق الاستقرار في المنطقة، واقامة علاقات تعاون وشراكات على صعيد الاقتصاد والسياسة والأمن حتى لا تواجه المنطقة خطر الخضوع لأمزجة راسمي الخرائط الجدد. ودول الخليج والسعودية تحديدا لن تكون بعيدة عن الخيارات التي تتيحها سايكس بيكو الجديدة.