إيفان أوسنوس 
شي جينبينغ هو سابع حاكم يتربع على سدة جمهورية الصين الشعبية، وأول رئيس مولود بعد ثورة 1949، أي استيلاء الحزب الشيوعي على بكين. ويستوي شي في قمة هرم الحزب الذي يعد 87 مليون محازب شيوعي، وهو رقم يفوق عدد سكان ألمانيا. ويتولى الأمين العام مقاليد اقتصاد قد يكون حجمه، في ضوء الإحصاءات الأخيرة، الأول في العالم. وهو، شي جينبيغ، السلطة العليا على كل جنرال، وكل قاضٍ، وكل رئيس تحرير، وكل رئيس مجلس إدارة شركة وطنية (صينية). ويتفق ذلك مع معيار أوصى لينين في 1902 بالأخذ به: «إذا شاء المركز قيادة الفرقة الموسيقية فعلاً، فعليه أن يعرف من يقود الآلات الوترية، وأين يجلس العازفون، ومن مصدر هفوات العزف، ومن ينبغي نقله من موضع إلى آخر لتفادي النشاز».
وعشية رأس السنة (الميلادية) 2014، أذاع التلفزيون والإذاعة رسالة شي جينبينغ إلى الصينيين قبيل نشرة الأخبار المسائية. وبعد ساعات قليلة، فقد الرئيس السيطرة على الوضع فجأة. ففي شنغهاي، أمَّ جمهور المدينة الكبيرة جادة بوند العريضة، على ضفة نهر هويانغبو، وتدفق سيل المتنزهين وتعاظم ساعة بعد ساعة. وفي الساعة الحادية عشرة والنصف مساء، أرسلت الشرطة مئات الضباط، وأوكلتهم ضبط الأمن. وكان المتنزهون ازدحموا على درج آلي ضاق بهم، وأرادوا الإفلات من الزحام والنجاة من الاختناق، فوقع بعضهم أرضاً ومشى المتدافعون عليهم، فقتل في التدافع نحو 30 شخصاً. وروعت الحادثة التي وقعت في أحد أحدث الأماكن وأكثرها ازدهاراً في الصين، الرأي العام. ودعت سلطات شنغهاي أهل المدينة إلى الحداد على الضحايا في احتفال منظم، والانصراف بعده إلى شؤون حياتهم. وحال مراقبو الشركة العنكبوتية دون تداول المدونين مسألة المسؤوليات ومناقشتها، واستدعت الشرطة منتقدي الدولة إلى مكاتبها. وحين ذهب أهل الضحايا إلى مكان الحادثة، أحاطت بهم الشرطة، وطوقت المكان بحواجز معدنية عزلته على حدة.
وكشفت وكالة «كايشين» للتحقيقات الصحافية عن أن المسؤولين البلديين عن موقع الحادثة كانوا في أثناء حصولها يقيمون مأدبة سوشي و(مشروب) ساكيه، في صالون مطعم إيمبتي سيكادا الفخم، بجوار المكان. ولا ريب في أن الحادثة عادت على شي جينبيغ بالحرج. فهو كان أذاع، في كانون الأول (ديسمبر) 2012، مذكرة قضت بالتزام الموظفين «ثماني قواعد»، وذلك في سبيل القضاء على الفساد. وتحض أولى هذه القواعد على تجنب «الإفراط في المتع والملذات»، وعلى الاكتفاء من الطعام بـ «4 صحون وحساء». وطويت حادثة التدافع بمعاقبة 11 مسؤولاً على سوء تصرفهم بالأموال العامة وخطأ تقديرهم تهديد سلامة الجمهور.
وحين زرت، بعد أسابيع قليلة من الحادثة، صديقاً صينياً يتولى رئاسة تحرير صحيفة ببكين، وسألته عن رأيه في شي جينبينغ، أشار إلى عشاء الإيمبتي سيكادا، وقال: «أذاعت السلطة المركزية قراراً يحظر على الموظفين تناول الطعام في الخارج على نفقة المال العام، ومع هذا فعلها الموظفون! وهذه من مظاهر التكيف مع التغير (مكافحة الفساد)». والصراع بين الإمبراطور وبين البيروقراطية من تقاليد الحياة السياسية الصينية العريقة، وقلما ترجح كفة الإمبراطور في خاتمة المطاف. ولكن الصحافي يراهن على انتصار الأمين العام. فهو «لا يخاف الأرض ولا السماء، ويبدو أملس من الخارج وصلباً من الداخل، وينطوي ظاهره المرن على باطن قاسٍ».
وفي أعقاب 30 سنة قضاها شي جينبينغ في الحياة العامة، وبعد نحو سنتين من سنوات ولايته يبدو الرجل أكثر حكام الصين تسلطاً منذ ماو تسي تونغ. وبذريعة حماية المواطنين ونقاء الحزب، أمر بالتحقيق في أحوال عشرات الآلاف من الصينيين. ودانت التحقيقات شطراً كبيراً من هؤلاء تارة بالفساد، وطوراً بإفشاء أسرار الدولة، ومرة ثالثة بالتحريض على الفوضى والتمرد. وهو يتمتع بعشرة ألقاب، بعضها لم يسبقه إليه أحد من أسلافه. فهو رئيس الدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، وهو رئيس لجان الحزب العليا: لجنة الشؤون الخارجية، ولجنة تايوان، واللجنة الاقتصادية. وعين نفسه على رأس الهيئة التي ترعى أمن الانترنت، وتلك التي تنظر في هيكلة مباني الدولة، وثالثة تتعهد الأمن الوطني، ورابعة تناقش إصلاح الجيش. وتعود إليه الكلمة الفصل في القضاء والمحاكم، وفي الشرطة وأجهزة الاستخبارات. فلا عجب إذا خلص غاري لوك، سفير الولايات المتحدة السابق ببكين، إلى القول:» إنه في منزلة القلب من أمور الصين كلها».
وعلى مثال القادة الشيوعيين الصينيين، لم يقم شي بحملته السياسية التي قادته إلى تولي الأمانة العامة ورئاسة الدولة قبل توليه منصبه بل بعد ولايته. وفي أثناء 3 أعوام أظهر رغبة عميقة في التغيير. فدعا إلى حمل «الحلم الصيني» على محمل الجد، وإلى «تجديد فتوة الأمة»، والجمع بين الازدهار فالوحدة والقوة. وهو وعد في برنامجه (تشرين الثاني/ نوفمبر 2013) بإجراء 60 إصلاحاً اقتصادياً واجتماعياً في مقدمها ترك التشدد في سياسة الولد الوحيد، وإلغاء استعمال معسكرات العمل في «تربية» المواطنين، وتقليص امتيازات شركات القطاع العام الضخمة. وشي جينبيغ على يقين من أن مهمته هي إنقاذ جمهورية الصين الشعبية والحزب الشيوعي من الانهيار تحت وطأة الفساد والتلوث البيئي والاضطرابات السياسية في هونغ كونغ وشيانغيانغ وغيرهما، أو نتيجة النزاعات المولودة من اقتصاد لم يشهد منذ 1990 التباطؤ الذي أطل برأسه في 2014. وبلغ، في 2014، عدد معتقلي المجتمع المدني الصيني ألف معتقل، وهو أعلى رقم في العشرين سنة الأخيرة، أو منذ حملة القمع التي أعقبت احتجاجات ساحة تيان- آن- مين. ولا يكتم شي جينبينغ عداءه الشديد للأفكار الديموقراطية. وحين التقى في 2011 و2012، نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، نظيره يومذاك، سأله لماذا تولي أميركا أمر حقوق الإنسان اهتمامها. ولم يبدُ عليه الاقتناع حين أجابه بايدن بأن الدفاع عن هذه الحقوق جزء لا يتجزأ من مؤسسة الرئاسة الأميركية، ووجه من وجوه ثقة الشعب الأميركي في هيئاته السياسية.
ويروي هنري بولسون، وزير الخزانة الأميركي السابق وأحد الذين ربطتهم بشي جينبينغ رابطة عمل طوال عقد من الزمن، أن شي كان صريحاً ولم يتستر على رفض الصينيين القيم الغربية والديموقراطية التعددية، ولا يرى تناقضاً أو خلافاً بين الرغبة في إطلاق العنان للمنافسة وفي الاحتكام إلى السوق ومرونته، وبين السعي في إحكام قبضته على الحياة السياسية والإعلام والانترنت. وهو لا يشك في أن شرط الاستقرار اضطلاع حزب قوي بالحكم. ودعت «الحوكمة الجماعية» التي ألزم دينغ شياوبينغ خلفاءه بها القيادة الصينية إلى إبراز الإجماع في كل المواقف والسياسات. وفي غضون العامين الأولين من تصدر شي جينبينغ طاقم الحكم، خوَّل هذا صديقه الأقرب وأمين اللجنة المركزية لشؤون التفتيش والانضباط، وانغ كيشان، التحقيق في كل مرافق الإدارة والمفوضيات الكبيرة: مفوضية التخطيط، ومفوضية الرقابة على ممتلكات الدولة التي تشمل الشركات الكبيرة. فأوقف المحققون رئيس جهاز الأمن، شو يونغ كانغ، وكان يتولى قبلها إدارة مرفق النفط، وجعل الشرطة والاستخبارات الداخلية إقطاعاً شخصياً فاق تمويله النفقات العسكرية. ونفذ التحقيق إلى صفوف ضباط القوات المسلحة، على رغم مترتباته على تماسك الجهاز العسكري والدفاع الوطني. وحين فتش الشرطيون منزل أسرة الجنرال غو جونشان، المسؤول الأول عن القطاع اللوجستي، وصادروا ممتلكاته غير المشروعة، ملأوا أربع شاحنات بالتحف الفنية والمشروبات والرياش والعملات. ويروي أحد الديبلوماسيين أن بين التحف التي عثر عليها المحققون في منزل غو مجسماً ذهبياً لأول حاملة طائرات صينية. وحين سئل عن سر قنيته هذه أجاب أنه عصبيته الوطنية.
وفي أواخر 2014، كانت لجان التفتيش دانت أكثر من 100 ألف موظف بالفساد. وتساءل مراقبون أجانب عن الغرض من حملة شي، أهو استئصال الفساد حقاً أم مهاجمة أعدائه. ولكن ترجيح غرض على آخر غير ضروري. فالفساد تفشى على نحو نجم عنه الطعن في سلطة الحزب الحاكم ومشروعيته، وكان على أشد القياديين مراساً تقليص الفساد إلى حد مقبول. ومكافحة الفساد، تقليدياً، وسيلة مجربة من وسائل إرساء السلطة على ركن متين. وتوسل بها شي جينبينغ إلى مقارعة معارضيه في قمة الدولة. وعمد جيريمي بارم، وهو مؤرخ يتولى إدارة مركز دراسات أسترالي في الشؤون الصينية والدولية، إلى الفحص عن 48 شخصية بارزة اعتقلها جهاز وانغ كيشان، وخلص إلى أنه ليست بينها شخصية واحدة تنتمي إلى الجيل الأحمر الثاني (جيل شي جبينبينغ ابن جنرال قاتل في إمرة ماو تسي تونغ قبل دخول بكين في 1949). ولخص ديبلوماسي غربي المسألة بالقول: لا أسمي هذا حملة مكافحة فساد بل حرب خنادق».وكان شي جينبينع تساءل في 2007، حين انتخابه إلى المكتب السياسي: «لماذا انهار الحزب الشيوعي السوفياتي؟»، قبل أن يوضح قصده من السؤال:» إنه درس علينا ألا ننساه». والموضوع أشبعه الخبراء الصينيون درساً، ولكنّ آراءهم لم تشف غليل القيادي الصاعد. فأوصى باحثاً في مكتب البحث السياسي بإعداد دراسة جديدة. وخلصت الدراسة إلى أن الاهتراء دب في عهد بريجنيف. ورويت طرفة تعود إلى هذا العهد تزعم أن بريجنيف دعا أمه إلى زيارة جناحه في الكرملين ومعاينة البذخ الذي يتقلب فيه، وطمأنها إلى حصانة حاله: «بعد هذا، ليس عليك أن تقلقي أبداً». فأجابته والدته:» إني فخورة جداً بك، ليونيد إيليتش. ولكن ماذا إذا علم الشيوعيون بالأمر؟». ويقال أن شي جينبينغ استحسن هذه الطرفة، وكال لها المديح. وهو أبدى ازدراءه غورباتشيف، وأظهره أمام عدد من محاوريه. وطعن على الأمين العام السوفياتي الأخير عجزه عن حماية الحزب الشيوعي من معارضيه، وعلى رفاق غورباتشوف سكوتهم عن سياسته.

التعليقات معطلة