توابيت الأخيلة

حتى الامس القريب سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم ، اقول امس قريب لأنه مازال حيا في ذاكرتي على الاقل ، كنا نزور بيت عمتي في منطقة الرحمانية مرتين اوثلاث في الاسبوع الواحد ، لنمارس حصرا نوعا من الطقس الفائض بالمتعة ، تنشغل النساء بتحضير الـ (سندويجات) ونذهب نحن لشراء الـ (كرزات) والجميع يرقب موعد عزيز ومهم، على الرغم من تكراره يوميا ومن دون ادنى ملل من تلبيته، موعد عرض الفيلم على شاشة سينما زبيدة القريبة من بيت عمتي، وذات الطقس اليومي تمارسه بيوت الرحمانية معظمها مثلما تمارسه مناطق بغداد الاخرى، فترى اسراب العباءات البغدادية تتبع او تتقدم شباب وشيوخ المنطقة تسابق الوقت لتحصل على مقاعد مريحة في مدرجات صالة السينما، كيما تحظى بمشاهدة مشوقة لافلام عربية من مثل (صراع في الوادي) أو (لحن الوفاء) أو (رد قلبي) وغيرها ، أوافلام اجنبية من مثل ( ذهب مع الريح) أو(بابا علي الاصفهاني) أو (أم الهند) أو(اليتيم) لتجنح مخيلات المتفرجين اناثا وذكورا، صغارا وكبارا، تتماهى مع عمر الشريف او فاتن حمامة او احمد رمزي او عبد الحليم او شادية او راجندر كوماراو شباريخ وغيرها من التماهيات مما اشك يوما انها ستغيب عن ذاكرتنا …

اليوم تقف دور السينما في طول البلاد وعرضها وكأنها توابيت خرافية تندفن فيها المتع والرغبات والاخيلة المجنحة التي كانت يوما تبث حب الحياة في جوانحنا وتجعلنا نعمل ونبدع ونعيش بنفس متجدد كل يوم .. فمن يلتفت لتلك المحطات الترفيهية خدمة للامن والامان أولا وللثقافة وتهذيب الذوق ثانيا وتمتين اللحمة الاجتماعية ثالثا ولـ.. رابعا وخامسا و..و..و….