السياسة نوايا يصعب الكشف عن باطنها عبر ظاهرها، إنها الشر إذا أريد لها ذلك، والخير إذا أٌحسن استعمالها وفي الحالات كلها، هي البحر، واهبة المحار والردى، ولا أظن إن قضية سياسية مثل قضية صدام حسين، تداخلت فيها النوايا واختلطت الغايات، فعن جهل أو قصد، رأي (بعض) الكرد في صدام ممثلا للعروبة، ولهذا صوروا جرائم الإبادة التي لحقت بهم، وكأنها تابعة من موقف العرب المعادي لهم، ومن هنا تحدث هذا البعض همسا وعلنا عن شوفينية القومية العربية، وألحق بها أسوأ النعوت، وذلك ظلم ما بعده ظلم، لأن عمليات الابادة التي تعرض لها عرب العراق ومكوناته القومية الأخرى، لا تقل أذى وبشاعة عما تعرض لها عرب العراق ومكوناته القومية الأخرى، لا تقل أذى وبشاعة عما تعرض له أهلنا في كردستان، والذين تم إعدامهم على يديه من العرب، هم اضعاف من تم إعدامهم من الكرد! وعن جهل أو قصد، يجري الحديث همسا وعلنا بين (بعض) أهلنا الشيعة لأنهم تعرضوا الى ظلم اهلنا السنة ، لا لشيء، إلا لأن صدام حسين محسوب على المذهب السني، وكأنه المرجعية الدينية لأهل السنة، وقد فات هذا البعض أنه أعدم آلاف المواطنين من ابناء مذهبه، ومن قياداتهم، بمن في ذلك المقربون إليه من أهل السنة في الحزب والدولة أو الذين تربطه بهم صلة رحم وقربى!

ومثل الذي قيل، يقال كذلك عن شكوى العراقيين، سنة وشيعة، تذمرهم من تسلط (التكارتة) وظلمهم، لأن الرجل ينحدر من مدينة تكريت، ومثل الذي قيل، يقال كذلك عن شكوى سكان تكريت من تسلط ابناء (العوجة)، لأن هذه القرية مسقط رأس صدام، وأكاد أقسم أن من بين اقارب (الرئيس) وابناء عشيرته، من يشكو من ظلم اقارب الرئيس من الدرجة الأولى!! ويكفي أن نستذكر على سبيل المثال لا الحصر عشرات المئات الذين أعدمهم صدام من ابناء محافظته، ليس ابتداء بعبد الخالق السامرائي ولا انتهاء براجي التكريتي، لكي نكون على بيّنة من تكوينة هذا الدكتاتور المريض!

ومع هذا، فأنا مطمئن الى أن الغالبية العظمى من ابناء شعبنا، يدركون أن صدام حسين لا يمثل العرب حيث جرى الحديث عن الكرد، ولا يمثل السنة حيث جرى الحديث عن الشيعة، ولا يمثل تكريت حيث جرى الحديث عن المدن، وإنما كان يمثل نفسه، ويعبر عن شخصيته الملغومة بالعقد، وفي مقدمتها عقدة الكرسي المقدس عنده، فهو مستعد أن يذبح من أجله، العرب قبل الكرد، والسنة قبل الشيعة، والمسلمين قبل المسيحيين، وتكريت قبل الناصرية، ويقتل (صبحة وساجدة وعدي وقصي ورغدة وحلا) من غير أن يرمش له جفن أو يهتز شارب ، فهل آن الأوان لإعادة الحساب، وقراءة هذا الرجل الكارثة قراءة موضوعية، حتى لا يكون وهو في قبره سببا في تمزيق وحدتنا، مثلما كان وراء شقائنا في حياته!!  

التعليقات معطلة