الكرخ القديمة أزقة ملتوية وطفولة لا تغادر الذاكرة، وإنه عصر صيفي مثل عصور الصيف الأخرى لا بديل عن التجمع عند ضفة دجلة قريبا من مقهى البيروتي ـ منطقة العطيفية المجاورة لمحلة الجعيفر، هنا عند هذه الضفة تحديدا تكون مناسيب المياه القريبة من الجرف واطئة ربما لا يزيد ارتفاعها على نصف متر، ولكن مع التقدم في النهر الى الامام تبدأ المناسيب بالارتفاع ثم الارتفاع المخيف الذي هو من حصة الشباب والرجال ومن يجيدون السباحة بمهارة، أما المنطقة المنخفضة قريبا من الجرف فهي من نصيب الاطفال والمبتدئين ومن يودون تعلم السباحة، ذات عصرية من عصريات صيف قائظ، كان شاطئ دجلة كعادته اليومية في تلك المنطقة يضج بمئات من شتى الأعمار وهم مغمورون بمتعة العبث والضحك واللعب والسباحة، وفجأة اطلق احدهم صوتا عاليا مشوبا بالرعب (فلان يغرك) وقبل ان ينتهي من عبارته ويده تحدد منطقة الغريق، انطلق عشرات الشباب القريبين من المكان بسرعة البرق وغاصوا تحت الماء وما هي الا لحظة او دون ذلك حتى تم إنقاذ الغريق على يد شاب قوي البنية وسباح ماهر يدعى (طارق) وكان الغريق الذي نجا من موت محقق ولدا في العاشرة من عمره غامر في الابتعاد كثيرا عن الجرف.
في مناطقنا الكرخية ايام زمان يتناقل الناس الاخبار قبل حدوثها وهكذا اسرع والد الصبي الى النهر وهو شبه مجنون وعندما اطمأن على سلامه ولده، احتضن الشاب المنقذ بين ذراعيه وهو يبكي ولا يعرف كيف يعبر عن شكره وامتنانه وربما كان من جميل المصادقة أن والد الغريق والشاب كانا من محلة واحدة ويسكنان في زقاق واحد..
وفي صباح اليوم الثاني ذهبت والدة طارق إلى السوق على عادتها للتبضع وكان والد الغريق صاحب دكان لبيع الخضراوات والفاكهة ووالدة طارق لا تتبضع الا منه وبعد ان تزودت باحتياجاتها المعتادة سألته عن المبلغ مثلما تفعل كل يوم الا ان الرجل زعل زعلا كرخيا وعاتبها عتابا شديدا (مو عيب ام طارق.. شلون تقبلين اخذ فلوس اني والله حاير شلون اجازيكم لو ما رب العالمين وطارق ابني رايح) وحاولت المرأة معه والحت وهو يرفض اخذ الحساب ويقسم الأيمان الغليظة واضطرت السيدة إلى النزول عند يمينه غير انه في اليوم الثاني رفض كذلك أن يأخذ فلسا واحدا واقسم هذه المرة بطلاق زوجته وتكرر الموقف في اليوم الثالث والرابع حتى انه هدد المرأة قائلا (إذا سمعت طاري الفلوس تره ازعل وياكم ولا اعرفكم ولا تعرفوني) واسلمت المرأة امرها الى الله وذهبت في اليوم الخامس كالعادة ولكن كان عليها ان تتبضع في ذلك اليوم كمية اكبر لأنها تنتظر ضيوفا، وتسلمت البضاعة وهمت بمغادرة المكان، إلا ان الرجل كان اسرع منها وهو يصرخ بأعلى صوته مخاطبا اهل السوق من الباعة والمتبضعين (يا جماعة الله اكبر.. هذي ما يصايرة ام طارق هجمت بيتي وطلعتني كسر.. يومية بلاش.. يومية بلاش، لو ميت ابني هواية اشرف لي). وفيما تركت المرأة بضاعتها في الدكان وهربت إلى بيتها يطاردها الحياء والحرج كان السوق يرتج من الضحك!!