حين باشرت بوظيفتي معلما عام 1965 في قرية (النهروان)، حدث انعطاف حاد في مسيرة الأسرة الاقتصادية والاجتماعية، فقد كان هذا العنوان التعليمي مدعاة للتباهي ، لأنه يعادل في منزلته العالية وسطوته الكبيرة ، عنوان ( رجل حماية ) بعد 2003، وكانت الراتب الذي اقبضه يعد أعظم مبلغ دخل ميزانية (عائلتنا) المتعففة منذ القرن الثالث قبل الميلاد، ولكنني لم افطن إلى هذا الانقلاب الجديد في حياتي.. ولذلك حين تلقيت دعوة للمشاركة في فريق كرة القدم تابع لنقابة المعلمين، لبيت الدعوة ، ناسيا او متناسيا ان أفضل لاعب في المنتخب العراقي كان يتقاضى راتبا يصل في الحد الاعلى الى  (30) دينارا ، بينما اتقاضى انا ( 32 ) دينارا ، وان التلامذة والمجتمع يخاطبونني بمفردة (استاذ)، في حين يخاطبون اللاعب باسمه المجرد!! على اية حال ، بدأت احضر تدريبات الفريق التي تجري في العطلة الصيفية فقط ، اما الاشهر التسعة من السنة فيمر الفريق في حالة سبات، لأن الدولة العراقية منذ نشأتها كانت ترى الرياضة، رجسا من عمل الشيطان، ولذلك بلغت دولتنا سن الشيخوخة وهي لا تمتلك ملعبا رياضيا واحد ( عليه العين ) ، بينما تمتلك أكثر من 700 سجن ومعتقل بين معلن وسري !!

المهم .. بدا الفريق يتدرب ويقيم مباريات ودية مع بعض الاندية او الفرق الشعبية المعروفة ، وكان الفريق تحت اشراف شخصية ذائعة الصيت يومها ، محسوبة على (شقاوات) بغداد، وهو امر ظل مثار دهشتي واستغرابي ، ولم اسأل عن سبب رئيس من هذا النوع ، ولكن من باب الامانة التاريخية ، فقد كان الرجل وديعا للغاية.. ولا تبدو على سلوكه سمات العنف او تصرفات ( الاشقيائية)، ويتحلى بروح دعابة عالية الى الحد الذي جعلني احرص على متابعة تعليقاته الظريفة!! 

يحضرني الآن، ان هذا الرجل حاول زج فريقنا مع فرق رياضية عريقة، لكي يتطور الاداء ، وتزداد الخبرة ، ومن هنا وجه دعوة الى احد الاندية او الفرق البصرية، ولبى النادي الدعوة واقيمت المباراة على ملعب نادي الكرخ الرياضي ، اذا لم تخذلني الذاكرة ، وادى فريقنا مباراة رائعة واكد حضوره الحقيقي ومستواه الجيد بالقياس الى حداثته من جهة، والى عراقة وامكانيات الفريق الخصم من جهة أخرى!! 

انتهت المباراة بفوز الضيوف بهدف واحد، ومثل هذه النتيجة في المعايير الفنية تعد خسارة لهم وفوزا لنا، وقد كنا فرحين حقا، ليس فقط لأننا نجونا من خسارة كبيرة ومذلة، بل قبل ذلك لاننا كنا خصما عنيدا لهم ، وهددنا مرماهم غير مرة، ولو خالفنا الحظ قليلا لألحقنا بهم الهزيمة، أما الذي حصل بعد انتهاء المباراة فهي مغادرة رئيس فريقنا للملعب من غير ان يهنئ الفريق الضيف او يصافح اللاعبين، وكنا نسير وراءه وهو في اشد حالات غضبه ، ويدردم بصوت مسموع ( اولاد ال …. ما غزر بعينهم الاكل والشرب .. والفندق واجور السفر ومصروف الجيب والضيافة .. مع الاسف كلها ما غزرت ، كان مفروض يخلونا نغلب ، او نطلع متعادلين على الاقل .. خساره بيهم الفلوس) ، وتراجعت على الفور الى الوراء لكي اضحك من دون محاذير ، تاركا لرئيسنا الشقاوة مواصلة دردمته !! 

التعليقات معطلة