لعل من الأمور التي لم ينتبه إليها كثيراً ذلك الوفاء منقطع النظير للرجال، سواء لأهليهم أو أزواجهم او أصدقائهم .. والوفاء كمفردة تعني البقاء على العهد.. والصدق في المودة والاستجابة عند الحاجة .. كما تعني التضحية والإيثار والإخلاص لمن نحب ..
وهي عكس الخيانة ، لأن الأخيرة تعني الأنانية ، وحب الذات ، والانصراف الى الملذات ، والابتعاد عن الالتزام بما تم التعاهد عليه مكتوباً أو شفاهة أو عرفاً . والوفاء أنواع ، فمنه وفاء شخصي ، ومنه أيضا وفاء اسري ، وآخر اجتماعي ، والوفاء لله عز وجل أسمى غاية الوفاء ، وكذلك الوفاء للوطن والشعب بعد أداء اليمين الدستوري من قبل من يتولون المسؤولية في السلطات الثلاث . إلا إننا سنتحدث هنا عن نوع واحد من الوفاء ، لما لمسناه عن قرب لدى أشخاص ضحوا وأوفوا لزوجاتهم ، بحيث أصبحوا مثالاً يقتدى به ، وليسجلوا مراتب عالية من الإخلاص ونكران الذات، فالعلاقة الزوجية التي وضع الله “جلت قدرته” أسسها بأنها سكينة مع الآخر ، ورحمة ومودة ، إنما تعني تلك الألفة الأبدية مع الشريك ، متجاوزين كل العثرات والعقبات والاختلافات من أجل استمرارها ومضيها الى الخط النهائي لها بحيث يسجل لها النجاح ..
وكل الأشياء لها نهاية ، وهذه المودة والرحمة هي عماد الأسرة التي تنشأ بسبب هذا الارتباط ، الذي يتفرع الى جانبين مادي وروحي .. فأما المادي فهو متذبذب ومتحول ومتغير حسب الظروف المعاشية والحياتية العامة .. وأما الروحي فهو ثابت ويتطور ويتعمق متى كان الالتزام عالياً ، والانسجام موجوداً ، والتوافق سارياً .. كما ان هذا الروحي يتجذر بالإخلاص ، والتعبير الدائم عن الاعتزاز ، وتطمين الآخر على الاستمرار على العهد ، مهما تحولت الأزمان ، وتغيرت الطباع ، ودارت الدوائر . فممن عرفتهم عن قرب احد السادة الأجلاء من أسرة نجفية عريقة وقد لبى نداء ربه ، كان رحمه الله أديبا ومفكراً ، وممن يمتلكون مكتبات في بيوتهم تضم أمهات الكتب ، فكان يقرأ ويواصل التواجد في شارع المتنبي أيام الجمع باحثاً عن ضالته ..وليس هذا كله موضوعنا بل انه امتحن بمرض زوجته مرضاً عضالاً ، رقدت على أثره في الفراش (17) عاماً .. فكان لها خير طبيب بعد ان عجز الأطباء عن شفائها ..
وظل طوال الأعوام السبع عشر الى جانبها ، يطعمها ويقوم على حاجاتها ، ويلبي متطلباتها ، بعد ان هجرها أبناؤها وبناتها .. فلم يفكر ان ينصرف الى نفسه ويترك خليلته تعاني المرض لوحدها ، بل بقي الى جانبها يعاني معها ما تعانيه ، ولم يقترن بأخرى لتقوم بتلبية حاجاته هو ، حتى تلك الفسيولوجية التي فطره الله عليها جل شأنه ..
بل فضل هذا الرجل وبحكم حجم الوفاء لديه ، أن يجند نفسه لهذه المخلوقة التي ارتضاها زوجاً له ، وارتضته شريكاً لحياتها حتى الرمق الأخير . هذه الحالة وحالات مماثلة ليست غريبة على العراقيين ، وأنا على يقين ان كل قارئ لهذه المقالة يتذكر حالة مشابهة لما ذكرت ، ومهما تكن فكل هذه الحالات هي بعض وفاء الرجال الذي لا حدود له .