حقيقتان أفرزهما الحراك الشعبي في المنطقة أو الربيع العربي، كما ترسّخت تسميته إعلامياً؛ الحقيقة الأولى، هي أن الشعوب تمتلك من القوة بالقدر الذي ينسجم مع إرادة التغيير لديها، وهي بذلك تتفوّق على القوة العسكريّة التي كانت حتى سنوات مضت صاحبة القول الفصل في إسقاط الأنظمة عبر الانقلابات، لأن القوة العسكرية تفتقد الشرعية، في حين أن الشعوب هي من يمنح الشرعية. هذه الحقيقة أفرزت ظاهرة جديدة في العلاقات الدولية، تمثّلت في سعي الدول لإقامة علاقات مع شعوب بعض الدول بدل العلاقات مع أنظمتها، وبغض النظر عن أهداف تلك الدول الساعية إلى علاقات الشعوب، فهو اعتراف ضمني بقوتها وقدرتها على الحراك والتغيير.

الحقيقة الثانية، هي تحقيق نبوءة تسونامي جدار بغداد، التي بشرت بها العديد من الدراسات منذ نهاية القرن الماضي، حيث قارنت تلك الدراسات بين جدار بغداد وجدار برلين، ومثلما كان انهيار جدار برلين إيذاناً بتسونامي انهيار أنظمة الكتلة الاشتراكية، فإن انهيار جدار بغداد المتمثّل بإسقاط نظام صدام الدكتاتوري الشمولي، كان إيذاناً بتسونامي التغيير الذي اجتاح المنطقة انطلاقاً من تونس ومن ثم مصر وليبيا ومرورا الآن في سوريا واليمن والبحرين، ووصولاً إلى آخر محطات التغيير، فقد كان الخلاص من ذلك النظام تحرير قوى الشعوب المكبوتة في العراق والمنطقة، وهذا بالتزامن مع نضج ظروف التغيير التي أقرّت واقعاً دولياً جديداً لا يحتمل الأنظمة الشمولية والعائلية والمتخلفة، بل أصبحت الديمقراطية مطلباً إنسانياً مرتبطاً بحياة الإنسان وكرامته ولم يعد قابلاً للتسويف أو التأجيل أو المماطلة، كما وضع الدول الكبرى أمام استحقاقات أخلاقية، قد تنسجم أو تتعارض مع مصالحها في هذه المنطقة أو تلك؛ هل من المفيد أن ننظر إلى انشطارات الموقف الدولي من الفيتو الروسي الصيني الأخير في مجلس الأمن؟ لا أحد تحدث عن المصالح، الجميع تحدثوا عن الأخلاقيات ومن ضمنهم الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد تحقق في العالم العربي، على مشارف العقد الثاني من هذا القرن، ما حصل في أوروبا الوسطى والشرقية عند منعطف تسعينيات القرن الماضي، مع فرقين بسيطين، أولهما أن انهيار أنظمة المجموعة الاشتراكية، ربما بسبب تشابه أنظمتها، وبطء انهيار أنظمة العالم العربي، بسبب اختلاف أنظمة الحكم وقدرة الفرد الشرائية وتباين الثقافة الديمقراطية لشعوبها، لكن هذا التباطؤ بدأ يأخذ إيقاعاً أسرع بكثير في الآونة الأخيرة، لنلاحظ الحراك الشعبي في المنطقة الشرقية من السعودية، وكذلك الحراك الشعبي في الكويت وإن اكتسى بملامح الآليات الديمقراطية على علاتها. أما الفرق الآخر، فهو الانهيار الأسرع للأنظمة الاشتراكية الاتحادية، كيوغسلافيا على سبيل المثال، وتوجه شعوب هذه الأنظمة الاتحادية نحو التفكك والاستقلال من خلال الحروب الأهليّة التي كانت ضحيتها عشرات الآلاف من هذه الشعوب بين قتيل وجريح أمام أنظار العالم المتحضِّر الذي دفع بهذه الشعوب نحو سكة الديمقراطية والاقتصاد الليبرالي، في حين أن التغييرات التي عصفت ببلدان العالم العربي تنذر بتفتيت هذه البلدان تحت ذريعة نظام الأقاليم، تمهيداً لتفكيكها عبر طريق الشرذمة على أسس دينية وطائفية مناطقية، وتمهيداً لتقسيمها إلى دويلات صغيرة تبقى تحت سيطرة وهيمنة دول في المنطقة تخدم مشاريع الدول الكبرى في المنطقة.

التعليقات معطلة